الصفحة الرئيسية > الأسقف  

بحث



الأسقف
المسيح رجاؤنا
معاً في الخدمة لبنيان الكنيسة
-٢-


رسالة راعوية
الى ابناء أبرشية أنطلياس المارونية
المطران يوسف بشارة
١٨  أيار ١٩٩٣

الى أبناء ابرشية انطلياس المارونية إكليروساً
ورهباناً وراهبات وعلمانيين.

أيّها الإخوة الأحبّاء،
نعمة ربنا يسوع المسيح معكم دائماً ومحبتي لجميعكم. عنوان هذه الرسالة : " المسيح رجاؤنا، معاً في الخدمة لبنيان الكنيسة".
وللعنوان مبرر وهدف. فالمبرر هو ابقاء التواصل مع رسالة سابقة وجّهتها اليكم في ١ /١١/ ١٩٩٠ حملت عنوان :" المسيح رجاؤنا"، ومع الشعار الذي اتخذته في رسامتي الأسقفية : " أنا بينكم كالخادم"، التي مضى عليها سبع سنوات، لم تخل من صعوبات ونواقص، غير انها حملت ثماراً ووعوداً تحتاج الى تكثيف وتحقيق بالتعاون معكم.
والهدف هو أن نجني في الأبرشية من خلال هذا العنوان الثمار المرجوة من الجمعية الخاصة بلبنان لمجمع الأساقفة، بعد ان صدرت في ١٣ آذار ١٩٩٣ وثيقة خطوطه العريضة. وستوزع عليكم لتتدارسوها وتجيبوا على الأسئلة المطروحة فيها، فتساهموا على اعداد المرحلة اللاحقة والتحضير المباشر لعقد المجمع الذي نأمل أن يكون سنة 1995. ولقد أصبح موضوع المجمع واضحاً بعدما حدده البابا كما يلي : " المسيح رجاؤنا، بروحه نتجّدد، ومعاً للمحبة نشهد". وحول هذا الموضوع بُنيت وثيقة الخطوط العريضة وتكونت من مقدمة واربعة اقسام أوجزناها لكم في مقالة في مجلة الأبرشية، " كنيستنا "، في عدد أيار ١٩٩٣.
ويمكن أن نوجز الثمار المرجوة على صعيد الأبرشية بالتالي:
نحن للمسيح، ومعاً في خدمة كنيسته
إن مبرر حياتنا ومحورها هو السيد المسيح، من أجله نتعب ونجاهد، ونعمل في الكنيسة ولها. ومن اولويات حياتنا المسيحية ان ندرك جميعنا أننا أعضاء في جسم واحد، هو جسد المسيح أو الكنيسة. وحتى يبقى ترابط الاعضاء متيناً، يقتضي منّا أن نكون ثابتين في المسيح ثبات الغصن في الكرمة، وراسخين في ايماننا، وحفاظاً على الحياة في المسيح وحتى نثمر الثمار الصالحة. والترابط يقتضي أن نفكر في خير الجسد كلّه ونعمل له، أي لأجل اعضاء الكنيسة. فحياتنا الوثيقة بالمسيح تتغذى بكلامه واسراره، فتنعكس على تقوية روابط التعاون والمحبة فيما بيننا.
الأبرشية هي كنيسة المسيح في مكان معين يرأسها ويديرها الأسقف باسم المسيح متحداً مع رأس الكنيسة المحلية أي غبطة البطريرك ومع رأس الكنيسة الجامعة أي قداسة البابا ومع اخوته الأساقفة الذين يلتئمون دورياً للتشاور والتدارس.
والأبرشية تتكون على الصعيد الروحي من رعايا يخدمها كهنة ويحيا فيها المؤمنون حياتهم المسيحية ومن مؤسسات رهبانية ومسيحية متنوعة تنعش الحياة الرعوية، كما تتكون على الصعيد الاداري من أجهزة مختلفة تبغي خدمة المؤمنين وتعزيز الحياة المسيحية.
ومطرانية أنطلياس المارونية تعمل بأجهزتها المتنوعة لخير الأبرشية تعزيزاً لروح المشاركة بين مختلف اعضاء الأبرشية. ومن هذه الأجهزة :
المجلس الإداري الذي يتكون من الأسقف ومعاونيه المباشرين يجتمع اسبوعياً لتدارس الشؤون التي تهُّم المطرانية والأبرشية، كما يؤمن المعاملات الادارية طوال الأسبوع.
المجلس الكهنوتي يتألف من كهنة منتخبين ومعينين ويجتمع شهرياً لتدارس قضايا تعنى بالكهنة والرعايا. ويتفرع عنه صندوق الكاهن وصندوق التقاعد اللذان يعنيان بشؤون الكاهن الصحية وبحياته بعد نهاية خدمته.
مجلس المستشارين يتألف من كهنة يعاونون الأسقف في بعض شؤون الابرشية.
المجلس الإستشاري الاقتصادي يضُّم عدداً من الكهنة والعلمانيين المختصين يعاونون الأسقف بنصائحهم واقتراحاتهم في درس المشاريع والقضايا الإقتصادية.
الإجتماعات الكهنوتية تتمُّ مرّة في الشهر وتضُّم جميع كهنة الأبرشية والرهبان خدمة الرعايا وغايتها ثقافية روحية رعوية. ويلتقي الكهنة أيضاً في اسبوع رياضة روحية خلال الصيف.
المجلس التربوي يضمّ رؤساء المدارس التابعة للأبرشية لرسم سياسة تربوية والسهر على تطبيقها.
لجنة الدعوات تضمُّ كهنة يعنون بالدعوات الكهنوتية ويتابعون الاكليريكية ويسهرون على تنشئتهم ومتابعة تنشئة الكهنة الجدد. وتعنى لجنة الدعوات بتنظيم اسبوع الدعوات بالتعاون مع الرهبانيات وبعض العلمانيين، وهي تساند كل المبادرات التي تتم في اطار الرعايا.
مركز التعليم والرسالة. يهتمُّ بتأمين التعليم المسيحي في المدارس الرسمية ويطلع على سيره في المدارس الخاصة وينظم اسبوع رسالة سنوياً في احدى مناطق الأبرشية. ويشجع الرعايا، لا سيما الكبيرة منها، على انشاء لجان محلية، تُعنى بالتعليم المسيحي بشرياً ومادياً.
مركز التثقيف الديني العالي يعنى بتأمين تنشئة دينية عميقة لمن يرغب من العلمانيين، خاصة للذين يؤمنون التعليم المسيحي في المدارس، ولأعضاء الحركات الرسولية. مكانه دار المطرانية في انطلياس حيث تعطى الدروس مرَّتين في الأسبوع. وللمركز فرع ثانٍ في حارة صادر توقف بسبب الأحداث ونأمل ان يستعيد نشاطه قريباً.
لجنة التوأمة تضمُّ كهنة ورهباناً وعلمانيين وتؤمن العلاقات مع ابرشية ليون في فرنسا.
لجنة المجمع تضمُّ كهنة ورهباناً وعلمانيين وتتابع اعمال المجمع وتنسق بين لجان الرعايا المجمعية.
على صعيد الرعايا، تتابع المطرانية لجان الأوقاف المنوطة بالنائب العام، فتعقد لهم اجتماعات عامة توجيهية وادارية، وتعمد الى تجديد اللجان وتنشيط عملها ضمن الاصول القانونية. لقد عممت المطرانية على الكهنة نظام المجالس الرعائية لتأليفها في اقرب ما يمكن تحقيقاً للمشاركة في حياة الكنيسة ورسالتها على صعيد كل رعية، واعداداً لإنشاء المجلس الرعوي الأبرشي في مرحلة لاحقة.
مجلة " كنيستنا " هي لسان حال المطرانية والأبرشية. هدفها أن تكون رابطاً اعلامياً دينياً بين ابناء الأبرشية ووسيلة تثقيف مسيحي. 
على صعيد العمل الاجتماعي، ليس للأبرشية جهاز خاص بها حتى الآن، انما تعمل بالتنسيق مع الأجهزة الكنسية والوطنية القائمة من كاريتاس وجمعية مار منصور والصليب الأحمر وغيرها. ولقد ساهمت مع هذه المؤسسات، كاريتاس مثلاً، في تقديم مركز الاقليم في انطلياس، وقطعة ارض في ذوق الخراب انشأت عليها كاريتاس المركزية أربعة وعشرين مسكناً للمهجرين. كما قدمت مركزاً في انطلياس ايضاً للجنة الأسقفية للتعليم المسيحي في لبنان.
 وللأبرشية مدارس مجانية رعائية  (خمسة مدارس تضُّم ١٧٠٠ تلميذاً) ومراكز اجتماعية كبيت الفتاة ومركز أبو حمد في حارة صادر.
ووضعت المطرانية بتصرف الصندوق الماروني الاجتماعي بعض الاراضي بغية استثمارها في مشاريع سكنية. كما وضعت بتصرف حركة فوكولاري قطعة ارض مساحتها عشرة آلاف متر مربع لتنشىء عليها مركزاً روحياً.
وساهمت المطرانية في تقديم المساعدات لبعض البيوت التي تضررت من جراء القصف في الأحداث الأخيرة.
كما خصصت المطرانية مبلغاً من المال وضعته في خدمة الرعايا كقروض قريبة المدى ودون فائدة مساهمة منها في تسريع بعض المشاريع الرعوية الضرورية.
ان هذه الاجهزة تساعد الأسقف في تأمين ما تحتاجه الأبرشية من خدمات في مجال التعليم والتقديس والرعاية. علاوة على ذلك، يطلع الأسقف عن كثب على حياة كل رعية بمؤسساتها ومنظماتها خلال الزيارات الراعوية التي يقوم بها بطريقة دورية.
وفي هذه المناسبة أوجه تحية شكر وتقدير الى كل العاملين في هذه الأجهزة التابعة للمطرانية أو للرعايا من كهنة ورهبان وراهبات وعلمانيين، خاصة الشبيبة العاملة في نطاق الحركات والمنظمات المسيحية والرسولية، مؤكداً على ان عملي بدونهم يبقى ناقصا ً ورسالتي مبتورة وعقيمة. لذلك كان شعارنا في الأبرشية والمطرانية : معاً، في الخدمة، لبنيان الكنيسة.
ان كلمة معاً تنفي التفرد بالرأي والعمل، وتؤكد على التشاور والتعاون والتضامن. فالفرد ضعيف، والجماعة قوية، الفرد عرضة للخطأ والجماعة تتساند في اكتشاف الحقيقة وتسعى اليها، الفرد محدود الآفاق، والجماعة متضافرة واسعة التطلعات، الفرد يعرف القليل والجماعة تعرف الكثير، الفرد ينحو نحو العزلة والتكبر، والجماعة يسيرها الفرح والتواضع والمحبة لأنه حيث الجماعة فهناك روح الربّ.
أما كلمة خدمة فهي نابعة من صلب حياة المسيح الذي قال ما جئت لأُخدَمَ، وشرف المسيحي أن يسير على خطى معلمه فيكون خادماً لإخوته. وهذا شرف الأسقف والكاهن لأن الخدمة بكل اشكالها تجسيد للمحبة وضامنة لمصداقيتها، واعتبار حياتنا خدمة يقودنا الى نبذ الأنانية وحب الظهور والمجد الباطل ويحثنا على البحث عمَّا فيه فائدة ونفع للآخرين.
غير أن هذه الخدمة التي نتجند لها يقوم بها كلُّ واحد منا في نطاق عمله ومسؤولياته ضمن الرعية والأبرشية تصبُّ في بنيان الكنيسة، كنيستنا. لأننا جميعاً ننتمي اليها، وما المواهب التي اعطانا إياها الروح القدس الا لبنيان هذا الجسد الكبير الذي نحن أعضاؤه. وما نقوم به من نشاطات وأعمال وما نحصل عليه من مراكز ووظائف، وما اعطانا من مواهب، وما يمكن ان ندعى اليه، فلنستثمر لصالح الكنيسة، لصالح ابرشيتنا ورعيتنا حتى يتمجد الله فينا وبنا. ولا نضعفن جسم الكنيسة با بتعادنا عنها قلباً وقالباً، بل لنكن من العاملين فيها والقائمين برسالتها لتنتعش وتزدهر. وما نحب ان تكون عليه الكنيسة، فلنسعى معاً الى تحقيقه، ولا نكتفين بالانتقاد السلبي الذي يهدم ولا يبني، الذي يهدُّ القوى ويزعزع الثقة وينزع عنّا روح الكنيسة.
التجدد
ان التجدد من مواضيع المجمع الأساسية، وكلنا مدعوون اليه افراداً وجماعات.
ولا ينطلق التجدد من الصفر بل يفترض قاعدة ثابتة، وقاعدتنا هي حياتنا كمؤمنين. لذلك يقضي التجدد العودة الى ينابيع ايماننا اي الإنجيل وتعاليم الكنيسة. ويمرّ بمراحل ثلاث:
مرحلة المكاشفة والمحاسبة: ننظر الى حياتنا على نور الإنجيل فنكتشف ما فيها من سلبيات وايجابيات. وعندئذ يتساءل كلٌّ منا : هل يرضى المسيح بما أنا عليه؟ وماذا ينتظر منّي حتى تتوافق حياتي مع متطلبات تعاليمه، وحتّى أسعى لكي اكون أميناً لهذه التعاليم.
مرحلة تغيير الذهنية: كلُّ تجديد يبدأ بارادة التغيير وبالتصميم على القرار. والقرار يحتاج الى قناعات. والقناعات تنبع من قواعد. والقواعد تتوفر من معاشرة المسيح في الإنجيل والأسرار والصلاة، ومن الإطلاع الدائم على تعاليم الكنيسة وتوجيهاتها.
وعلى ضوء هذه المعطيات يتنوّر الذهن وتتبدل العقليات فتتآلف مع المفاهيم المسيحية. ان معاشرتنا للمسيح ترسخنا في محبته وتطبع شخصيتنا بطابعه، فتصبح علاقتنا به وطيدة ثابتة.
مرحلة القرار والتنفيذ: محاسبة الذات وتغيير الذهنية يؤديان بنا الى اتخاذ المواقف التي بدت لنا انها تنسجم مع حياتنا وقناعاتنا كمسيحيين. هذا يعني تبدلاً في المسلك، نتيجة التغيير في الذهنية والتبدل في المسلك لا يتّم بدون انسلاخ عمّا تعودناه. لذا كان لا بدّ من قوة تأتينا من الروح القدس الذي أفاضه الله في قلوبنا، وينتظر منّا أن نستلهمه ونصغي اليه، فيشددنا لنسلك وفق دعوتنا كأبناء الله. ولنأخذ مثلاً : فالغفران أمر صعب على طبيعة الإنسان، والمصالحة قد ننفر منها لأننا نتحصن وراء مواقفنا وانانيتنا، لذلك تلزمنا قوة الروح القدس ومنطق المسيح حتى نسلك سلوكاً جديداً يباركه الربّ.
التعاون والمشاركة
إن عملية التجديد طويلة وترافقنا العمر كلّه. لذا يقتضي تعاون الجميع حتى تنجح. ولا تؤتي ثمارها المرجوة ان اقتصرت على افراد، لأن اليأس قد يدبُّ فيهم ويتراجعون ان لم يتساندوا في مسيرتهم. لذا، فالجهود التي يبذلها كل فرد في قلب جماعته، في بيته وديره ومدرسته وعمله ورعيته، لها مردود على الجميع. واننا نؤدي الى بعضنا البعض خدمة جليلة إن تساندنا في التفكير واتخاذ القرارات ومتابعة التنفيذ. إن أعضاء المنظمات المسيحية والإنسانية يختبرون مفعول التعاون والمشاركة من خلال ما يعقدون من اجتماعات وما يقومون به من نشاطات متنوعة يعجز عنها الفرد ولا تتحقق الا بتآزر الجميع، كلُّ واحد حسب مواهبه وطاقاته.
التضامن
إن المشاركة تترجم بالتضامن بين ابناء الرعية والأبرشية الواحدة.
والتضامن ينبع من قناعة مزدوجة : اننا مترابطون كأعضاء في العائلة البشرية الواحدة، ونؤلف عائلة مسيحية واحدة هي الكنيسة. ولكلِّ عضو من أعضاء هذه العائلة حقٌ على الآخرين في أن يكون الى جانبه لمواجهة صعوبات الحياة. وما اكثرها بعد الحرب. ولا يجوز، انطلاقاً من هذا الترابط الانساني والمسيحي، ان التخلي الميسور عن اخيه المعوز خاصة في هذه الظروف.
أيُّها الأحباء،
أوَدُّ أن ألفت انتباهكم الى وضع أبرشيتنا المميز : إنها تجمعُ بين النقيضين، بين الغنى الواسع والفقر الهائل. إنها تضمُّ مناطق منكوبة تفتقر الى مقومات الحياة الإجتماعية السليمة، ومناطق راقية جداً شيّدت فيها قصورٌ فخمة وأبنية جميلة ومنتزهات رائعة.
هذا الوضع يستصرخ ضمائرنا ويستدعي مبادرات تضامنية حتى لا تكون هناك فرقة وطلاق بين ابناء الأبرشية الواحدة وحتى لا يتولد الحقد فيما بينهم، وحتى لا تستغل الشيع، وخاصة شهود يهوه، هذه الحالة، فتتسلل الى البيوت وتندَّس في الرعايا تزرع فيها التعاليم المفسدة المُضللة الغريبة عن ايماننا وتقاليدنا.
فندائي الى كلّ القادرين فيما بينكم، فكرياً واجتماعياً وثقافياً ومادياً، أن يكونوا الى جانب المطرانية لدرس هذا الوضع، خلال المسيرة المجمعية، حتى نحقق معاً بعض المشاريع التي تعود بالمنفعة الى ابناء الأبرشية الذين ينتظرون منّا ان نعرب لهم فعلاً لا قولاً عن تضامننا معهم.
الشهادة
إن ما نكون قد حققناه معاً، وما سعى كلٌّ منَّا الى تحقيقه في نطاق مسؤولياته، يصبح شهادة للروابط التي تشدُّنا الى بعضنا البعض، وخاصة رباط المحبة. فلا شهادة صادقة دون محبة، لأن المحبة كانت العلامة الفارقة التي امتاز بها تلاميذ المسيح عبر الأجيال، وأدهشت غير المؤمنين.
وفي علاقتنا اليوم، بعد كلِّ ما اعتراها من تصدع خلال الحرب، تبقى المحبة الدليل الأقوى على صدق الإيمان والشهادة، وإن تباينت مواقفنا من قضايا عديدة. ولا يجوز أن يؤدي بنا التباين الى التراشق بالتهم والتحريم والتخوين، والا تضعضعنا وفقدنا مصداقيتنا.
إنَّ وجودنا هنا في لبنان والشرق هو وجود شهادة ورسالة، كما جاء في رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك في فصح ١٩٩٢. والشهادة هي أولاً لمحبة الله التي وضعتنا هنا. والشهادة تعني الأمانة للمسيح والسعي الصادق الى تجسيد تعاليمه في مختلف مجالات حياتنا، أفراداً وجماعات، فنكون خميرة في قلب محيطنا ليؤمن العالم.
تمسك بلبنان أرض حرية وتلاقي أديان
من حسنات المجمع أنه عاد وذكرنا بدعوة لبنان التاريخية التي سبق وأشرنا الى مميزاتها. من هنا كان علينا أن نتمسك بلبنان مجال حرية وأرضاً تتلاقى فيها الأديان.
فلا حياة كريمة ولا حفاظ علة حقوق الإنسان اذا فُقدت الحرية. لذا كانت ممارستها والذود عنها من المقدسات. ومن واجب الجميع، أيًّا تكن مسؤولياتهم، أن يعملوا كي يعود للحرية تألقها، فلا تقيد ولا تمس الا اذا صارت تفلتاً من كل شريعة وأدت الى الفوضى.
أيها الأحباء، خيارنا في لبنان أن نعيش معاً مسيحيين ومسلمين. وقد أهتز هذا العيش المشترك، فخيِّل الى البعض أنه مستحيل، فنادت فئة بلبنان مسيحي وفئة بلبنان مسلم. ولكن لم يخطر ببال الكنيسة أبداً أن تؤيد مثل هذا الخيار الفئوي التقسيمي. اننا نشهد اليوم، في أكثر من مكان في العالم، نزعة الى الأصولية الدينية والعرقية التي ترفض التعددية. لذلك يمكن أن يكون النموذج اللبناني، بما يقدمه من عيش مشترك وحوار وطني وتفاعل حضاري بين المسيحية والإسلام، على أساس الإحترام المتبادل والتعاون الخلاق، نموذجاً للشرق والغرب. وهذه رسالة لبنان، على صغر حجمه وقلة موارده، دون تبجج أو ادعاء، شرط أن يسهم في تحقيقهاكل مسيحي وكل مسلم.
إنَّ الانفتاح المطلوب يتطلب جرأة لأنه يرتكز على ايمان بوطن يجب أن يستمر بتكاتف ابنائه. ونحن اليوم نواجه تحدّياً كبيراً على الصعيد الوطني وعلى الصعيد الكنسي. فحالة الانكفاء وما تقود اليه من هجرة، وحالة الاحباط وما تجر اليه من تراجع وتخاذل لن تكون في مصلحة وطن الجميع ولا في مصلحة مستقبل الكنيسة ورسالتها. إنّ المخاوف لن تتبدد باستقالتنا، بل بتضافر الجهود وتوحيد القوى وصدق المقاصد والإقدام المدروس والجرأة الواثقة والاتكال على الله وعلى بعضنا البعض.
خاتمة
إنَّ زمن القيامة يذكرنا بانتصار السيد المسيح على قوى الشر والخطيئة والموت. فهذا رجاؤنا ان كنّا ثابتين فيه ومؤيدين بقوة روحه القدوس، لأن لنا فيه الغلبة.
واذا كانت الآمال البشرية عرضة للفشل والانهيار، وتولد الخيبة والاحباط، ومع ذلك فانها تقودنا الى الاستسلام، بل تحفزنا الى تكرار التجارب بغية النجاح. فالرجاء المسيحي لا يعرف الخيبة. انه يتزامن مع مرحلة الآلام وحمل الصليب، ولكنه لا ينفصل عن المسيح المنتصر الذي هو معنا حتى منتهى الدهر.
غير أن هذا الرجاء يتوطد بالحب، حبُّ الله لنا وحبنا له. " ونحن نعلم، على ما يقول بولس الرسول، ان الله يعين الذين يحبونه، في كلِّ أمرٍ للخير، اولئك الذين سبق وجعل أن يكونوا مدعوين، وعرفهم من قبل ووسمهم بشبه صورة ابنه ليكون هو بكراً لأخوة كثيرين..." " إن كان الله معنا، فمن علينا؟ وان لم يشفق على ابنه بل سلمه عن جميعنا، فكيف لا يعطينا معه كلَّ شيء؟" (رومة ٨/ ٢٨-٣٢).
أيّها الأحبَّاء،
أملي كبير فيكم، فتعالوا نتكاتف معاً في ورشة المجمع الكبرى، لأنها ورشة كنسية لن تتوقف. ومهما وظفنا فيها من طاقات، فالربُّ يباركها ويُنميها فتثمر الثمار الكثيرة. اننا معاً في الخدمة لبنيان كنيسة الربّ في أبرشيّة أنطلياس المارونية المباركة الني نكل فيها الى العذراء مريم حماية مسيرتنا الكنسية ومعها نصغي الى الهامات الروح لنعمل بما يأمرنا به ابنها يسوع له المجد الى الأبد آمين.
" وربنا يسوع المسيح، بل الله أبونا، ذاك الذي احبنا ووهبنا بنعمته عزاء ابدياً، ورجاء صالحاً، هو يعزي قلوبكم، ويثبتكم في كلِّ قول صالح وعمل صالح" (٢ تسالونيكي ٢/ ١٦)

أنطلياس في ١٨ أيار ١٩٩٣

الذكرى السابعة لرسامتي الأسقفية
+ يوسف بشارة 
مطران أنطلياس

 

 
 رسالة راعي الأبرشية المطران يوسف بشارة
الى أبناء أبرشية أنطلياس المارونية
بمناسبة يوم تقديس الكهنة
الأحد ٢٨ كانون الثاني ١٩٩٦

أيُّها الأخوة والأخوات الأحبّاء،
لقد طلبَ قداسةُ البابا، يوحنا بولس الثاني، أن يُحتَفَلَ في العالم كلّه بيوم تقديس الكهنة. وبما أنَّ ألسنة الطقسية في ليتورجيّتِنا المارونية تُخصّصُ أسبوعاً للصلاة من أجل الكهنة، لا سيّما المتوفين منهم، فإننا سنحتفل بيوم تقديس الكهنة في أحد الكهنة الطقسي الذي يقعُ هذه السنة في ٢٨ كانون الثاني ١٩٩٦.
جميعكم تتوقعون الى أن يكون الكهنة قدّيسين. وهذا ما نصلّي لأجله عندما نقول: " أعطنا يا ربُّ كهنة ًقدّيسين". وترغبون في أن تروا في الكاهن رجل الله الذي تطلبون صلاته وبركته، والمرشد الذي ترتاحون الى توجيهاته الحكيمة الأبوية، والصديق الثابت الذي تعودون اليه في أيام الإمتحان والشدَّة، لتجدوا لديه الأمان والعزاء. وتتمنَّون أن يكون الكاهن في خدمتكم دوماً، ليؤمِّن لكم حاجاتكم الروحية، ويُصغي إليكم في الشدائد والمضايق، ويُساعدَكم على تخطِّي الصعوبات.
وكلُّ هذه المطالب والتمنيات مشروعةٌ، لأن الصفات المسيحية والإنسانية التي تتجلّى في القداسة، النابعة من تكريس الكاهن نفسهُ، لمحبة الله والقريب، هي من مُستَلزمات حياة الكاهن ورسالته. فالكاهن ليس لذاته، بل لله وللكنيسة، أي لرعيته التي اؤتمن عليها. وهو بينكم يعمل باسم المسيح، رأس الكنيسة. وعليه أن يقتدي بالمسيح في حياته ومسلكه، ليكون خادماً على مثاله. وإذا كان له سلطة روحية تحترومنها فيه، فهي لبنيان الجماعة، لبنيان كلِّ واحد منكم، على أساس المسيح الراسخ، لتنموا جميعاً كأعضاء حيةٍ وفاعلة، في الجسم الواحد الذي يحييه الروح القدس.
وإذا كان الكاهن هو المسؤول الأول عن تقديس نفسه، ليستطيع القيام بخدمته بطريقة فُضلى، أفلستم أنتم أبناءُ رعيته، مسؤولين عنه أيضاً، وبإمكانكم أن تساعدوه على بلوغ هذا الهدف أي القداسة ؟ ولربما تدهشون لهذا السؤال ! إنما هذه هي الحقيقة، لأن الكاهن منّا ولنا. فإذا كان باسم المسيح يخدم رعيتنا، ويرئس جماعتنا، فحياته تعنينا.
ويمكن أن نساعده ليقدّس ذاته :
إن صلينا له، كما نصلّي لأفراد عائلاتنا ولمن نحبّ.
إن تفهمنا صعوباته ومشاكله، لأنه إنسانٌ مثلنا يسعى الى القداسة ولم يبلغها بعد.
إن عاملناه كصديق لنا، وأسدينا له النصيحة بلباقة وبروح الصراحة والأخوَّة.
إن اعترفنا بدوره ورسالته في حياتنا كأفراد وعائلات ورعية، نسيرُ وإيّاهُ على درب المسيح والملكوت، لأنه من الصعب جدا ًعلى الكاهن أن يثبت في دعوته، ويسعى الى القداسة، إن لم يلق التشجيع والتقدير والمساندة من ابناء رعيته. فلا تدعوه يعيش في عزلة وكأنه غريبٌ عنكم، ولا تتجاهلوه، لئلا تضعُفَ عزيمتُهُ.
إن قدَّرنا فيه القداسة وآثرناها على ايِّ شيءٍ آخر لأن كلَّ الصفات والفضائل الأخرى، إن كانت صحيحةً، يجبُ أن تؤدي اليها وتُنعشُها.
إن وَضَعنا طاقاتنا في تصرّف الرعية، وتجاوبنا معه لنكون عائلة المسيح الواحدة.
وعندئذ يفرح الكاهن لأن تعبه يثمر، ويجتهد في أن يكون قديساً ليقدس رعيته عملاً بقول السيد المسيح: " أقدِّس ذاتي من أجلهم، ليكونوا هم أيضاً مقدسين بالحقِّ". (يوحنا ١٧/ ١٩).
فعسى ان يكون يوم تقديس الكهنة، والأسبوع بكامله، فرصةً لنا جميعاً لنعود الى ذواتنا والى الله، فنكتشف جمال دعوتنا التي دعانا اليها الله بالمسيح أي أن نكون قديسين وبغير عيبٍ أمامه (أفس ١) ويُساند بعضنا بعضاً في مسيرة القداسة التي تُضفي على حياتنا معناها وتعطينا ملءَ الحياة.
      وبركة الربِّ تشمُلُكم جميعاً.
قرنة شهوان في ١٥ كانون الثاني ١٩٩٦

ملاحظة:  تتلى هذه الرسالة في جميع كنائس الأبرشية
في قداسات الأحد ٢٨ كانون الثاني ١٩٩٦

 

سيادة المطران يوسف بشارة السامي الاحترام

ولــد
في عربة قزحيا، سنة ١٩٣٥.

من خرّيجي اكليريكيّة غزير الصغرى ١٩٥٦.

حائــز على اجازة في اللاهوت من جامعة القديس يوسف في بيروت ١٩٦٣،

تخصّص في ادارة الاكليريكيّات لدى آباء سان سَلبيس عام ١٩٦٥.

سيم كاهنًا في ١٩ نيسان ١٩٦٣.عيّن مدير اكليريكيّة كرم سدّه ١٩٦٥-١٩٧٠، وأستاذ اللاهوت العقائدي فيها ١٩٦٥ - ١٩٧٧،

مـديــر مدرسة مجانيّة في طرابلس وكاهن لرعيّة قريته عربة قزحيا ١٩٧٠ -  ١٩٧٥.

عـيّـــن رئيسًا لإكليريكيّة كرم سدّة ولمعهد اللاهوت فيها ١٩٧٥ - ١٩٧٧،

ثمّ عـيّـــن رئيسًا لإكليريكيّة غزير الكبرى والصغرى منذ ١٩٧٧ حتى تاريخ تعيينه مطرانًا.

انتخب رئيسًا "للرابطة الكهنوتيّة" منذ ١٩٨٣ حتى تاريخ تعيينه مطرانًا.

عـيّـنه غبطة السيّد البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش الكلّي الطوبى خورأسقفًا ١٩٨٥.

شارك في ترجمة الوثائق المجمعيّة ١٩٦٩، وفي تجديد ترجمتها عام ١٩٨٤.

ساهم في اعداد وتأليف كتاب "العذراء، مريم"، رئيس تحرير مجلّة "نور وحياة"، وله فيها وفي غيرها مقالات عديدة.

عـيّـنه قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني مطرانًا على أبرشيّة قبرس المارونيّة، في ١٩ نيسان عام ١٩٨٦، يوم سيامته الكهنوتيّة.

احتفل برسامته أسقفًا مع المطران خليل أبي نادر يوم أحد العنصرة في ١٨ أيار ١٩٨٨ بوضع يد صاحب الغبطة مار نصرالله بطرس صفير الكلّي الطوبى، وحضور أساقفة الكنيسة المارونيّة.