![]() |
رعيّة مار الياس - أنطلياس
لمحة تاريخية
شَيَّد المسيحيّون في أنطلياس مزاراً على اسم النبيّ إيليّا، في القرن الخامس، على أنقاض هيكلٍ وثنّي. وتُعتبر كنيسة مار الياس الصغيرة الحاليّة مزاراً ومكان عبادة وصلاة وتأمّل وخشوع، إضافةً إلى الاحتفال بالأسرار. وربّما كانت من أهمّ المزارات في لبنان، بعد مزار صرفت صيدا، أي الصرفند اليوم، حيث قضى النبيّ إيليّا مرحلةً من حياته. مردّ ذلك إلى أنّها لم تكن يوماً وقفاً على المسيحيّين وحسب، بل اعتاد أن يؤمّها المسلمون والدروز للصلاة، طالبين من الله النّعم والشفاءات بشفاعة مار الياس. وكثيراً ما كان الله يستجيب صلوات الزائرين .
كان المردة قد أقاموا قلعة، في القرن السابع، حيث موقع دير مار الياس اليوم، وقد وُجدت تحت أرضه بعض آثار لبناء قديم. وَتَعَرَّض هذا البرج الدير للهدم مراراً، في الحروب التي حلّت بين المردة وأعدائهم، عبر القرون. وكان يتمّ تجديده حيناً بعد حين إلى أن سَلَّمَه البطريرك يعقوب عوّاد إلى الرهبنة الأنطونيّة، سنة ١٧٢٣، بموجب صكّين ما زالا محفوظين. يوم استلم الأنطونيّون هذا الدير، شرع الأب بطرس عطايا ببناء الأقبية وبعض الحوانيت فوقها. وفي زمن رئاسة الأب تادروس الشوفي على الدير، عَمَّرَ فوق الأقبية غرفاً إضافيّة. وزاد في البناء من بعده القسّ جبرائيل البرمّاني. وقد أجرى القسّ جناديوس الزكريتي، لاحقاً، بعض التعديلات الأساسيّة في البناء، وبنى على الطريق العامّ حوانيت، من شأنها أن تزيد من إيرادات الدير. وكان لجنينة الدير سورٌ هدمه الزكريتي وجعل فيها فرناً. جاء بعد هؤلاء المحترمين القس دانيال قرنة شهوان، فشيَّدَ القبة وَوَسَّع الكنيسة وأنشأ المذابح الصغيرة، وجَهَّزَها ببعض الحوائج الكنسيّة.
يبدو أنّ هذا الدير، قبل تسليمه إلى الرهبنة الأنطونيّة، كان مؤلَّفاً من بعض بيوتٍ خشبيّة. أمّا الكنيسة فكانت قبواً واحداً صغيراً، عُلِّقت فيها صورة جدّ قديمة للقدّيس الياس. حَضَرَ يوماً الفنّان الأرمنيّ المشهور يوحنّا خوقاز، وقال لرئيس الدير الأب جبرائيل الحكيِّم عوّاد، إنّه يأخذ الصورة القديمة ويقدّم للدير صورةً جديدة أكبر منها بدلاً عنها. فأَخَذَها وأرسل للدير الصورة الحاليّة.
وسنة ١٨٩٣، بنى الأب دانيال قرنة شهوان الآنف الذكر، بعض الغرف الإضافية، وسَقَفَها بالقرميد، وبَلَّطَ أرضها بالرّخام, وَوَضَع فيها مفروشاتٍ لائقة، ونَقَلَ الفرن من الجنينة إلى قبوٍ أرضيّ، كما جَدَّدَ آنية الكنيسة. وسنة ١٨٩٥، هَدَمَ الكنيسة القديمة وشَرَعَ ببناء كنيسةٍ جديدة سَقَفَها بالقرميد، كما هي الآن، وهَدَمَ بعض البناء من شرقيّها .
يعلو باب الكنيسة الغربيّ نقشٌ تاريخيّ من أبياتٍ نَظََمَها الدكتور سليم الجلخ، جاء فيها:"لما بلاوون ويوحنا زَهَت أنوارُ دين الحقّ بالله الأحد
وبنعمة الله تباهَت قبرس وعلى التقيّ سمعان أضحى المعتمَد
من آل زغبي قام دانيال مَن بفريد همّته لقد قَهَرَ الأسد
فسعى لتجديد البناء لهيكلٍ قدمت مبانيه وجَدَّ وقد وَجَد
قد أرَّخوا بأنّ خالد ذكره يحيا كإيليّا النبيّ إلى الأبد.
١٨٩٥"
إلتأمت في كنيسة مار الياس أنطلياس عاميّتان: الأولى عام ١٨٢٠، والثانية أَطلَقَت ثورة ١٨٤٠، إذ عَقَد الثائرون على الحكم المصريّ- من دروز ونصارى وشيعة وسنّة - مؤتمراً في أنطلياس، وأقسموا يميناً، عند المذبح، أن يظلّوا يداً واحدة .
في العام ١٩٢٣، طَلَبَ رئيس الدير الأب جرجس كرم من الرئاسة العامّة للرهبانيّة الأنطونيّة السماح له بترميم الدير وتوسيعه فأتت الموافقة مباشرة. عندئذٍ باشر الأب جرجس بالعمل، بإشراف المهندس فؤاد خوري، وانتهى العمل سنة ١٩٢٩، وأصبح الدير يشتمل على ثلاثة طوابق، يمتدّ كلّ طابق على ٢٥٠م، كما هو الآن .
وفي أيّامنا، وخلال الثلاثين سنةً الأخيرة، قام فريقٌ يضمّ المرحوم الأب ميخائيل معوّض رئيس الدير والأب مارون عطا الله، بإنجاز مشاريع كبيرة أهمّها: بناء بازيليك كبيرة، على مرمى حجر من الكنيسة القديمة، وصالة كبيرة تُستَعمل لجميع أنواع النشاطات الفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والدينيّة .
في العام ٢٠٠٠، قام رئيس الدير الأب أنطوان راجح بترميم الدير والمدرسة المقفلَة، وتَحَوَّلت المدرسة القديمة إلى غُرف منامةٍ للرهبان، بينما تحوّل الطابق العُلويّ إلى غُرفٍ للطعام والمطبخ وغيرها. أمّا الطابق الأرضيّ فتحوَّلَ إلى صالونات استقبال ومكاتب للرعيّة .
عيد الرعيّة ٢٠ تموز
عن كتاب "كنائس أبرشية أنطلياس المارونية"
للخوري خليل الوتشي الحايك - ٢٠٠٦
للخوري خليل الوتشي الحايك - ٢٠٠٦







