الصفحة الرئيسية > الرعايا > قطاع الساحل ٢ / رعيّة الدكوانة > لقاء التنشئة حول الكتاب المقدّس ٨ - رعيّة الدكوانة  

بحث



لقاء التنشئة الثامن - سفر الخروج / ١
مع الخوري سمير حسون

تذكير : (اللقاء السابع بحسب الورقة الموزعة)


أ - مقدمة :
يشكل الخروج الحدث التأسيس للشعب العبراني. الخروج هو حدث تاريخي كتب باسلوب الملحمة. لكن الخروج هو قبل اي شيء تذكار للخلاص بتدخل الهي لصالح شعبه. في هذا الاطار سوف ندرس الخروج بوجهيه التاريخي والديني.

ب - التصميم والمضمون :
نستطيع تقسيم هذا السفر الى ٣ أقسام :
١. الاستعداد للخروج (خر١/ ١-١١/ ١٠) : وهو يتضمن ٣ فصول :
١) الاستعباد : لقد تكاثر الشعب العبراني في مصر وهذا ادى الى غيرة المصريين. عندما وصل فرعون جديد الى السلطة قرر تسخير العبرانيين كما امر بقتل كل مولود جديد ذكر. استطاع اهل موسى انقاذه فكان من حصة ابنة فرعون التي اهتمت فيه. عندما اصبح كبيراً، قتل موسى احد الحراس المصريين فهرب خوفاً على حياته. وصل الى ارض مديان وتمركز فيها وقد تزوج ابنة كاهن مديان.
٢) دعوة موسى: لقد سمع الله صوت شعبه المقهور. دعا الله موسى عندما كان يرعى قطيع عمّه. ظهر له الرب في عليقة تشتعل ولا تحترق. اوضح الله لموسى هدف رسالته : ان يخرج اخوته من مصر. تردد موسى في قبول المهمة لأنه رآها من دون افق ونجاح. لكي يسمح له ان يتكلم بسلطان مع العبرانيين كسف له الله عن اسمه يهوه. عاد موسى مع اخيه هارون الى مصر واعلم شعبه ان يريد تحريرهم. لكن الامور تعقدت مع فرعون الذي قسى قلبه.
٣) ضربات مصر العشرة: لكي يقنع فرعون بتحرير شعبه قام موسى بإنزال ١٠ ضربات بمصر. التسعة الاولى لم تقنع فرعون وهي : الماء يستحيل دماً؛ الضفادع؛ البعوض؛ الذباب؛ موت المواشي؛ القروح؛ البَرَد؛ الجراد؛ الظلام؛ أما اضربة العاشرة فهي موت أبكار مصر.

٢. الخروج من مصر (١١ – ١٨)
١) فصح التحرر : نزلت الضربة العاشرة خلال ليلة احتفال العبرانيين بالفصح. قبل الخروج من مصر، كان هذا العيد عيداً رعوياً في الربيع. يتمحور هذا الاحتفال حول ذبح خروف الفصح الذي يؤكل لاحقاً من قبل المحتفلين. هناك اوامر عيدية حول هذا الاحتفال واردة في الفصل الثاني عشر. بعدما سمح لهم فرعون بالخروج، انطلق العبرانيون بسرعة نحو برية سكّوت. بدءاً من هذا اليوم سيصبح عيد الفصح عيد التحرر من العبودية.
٢) المسير نحو البحر : تحت قيادة عمود النار (الله) ترك الشعب سكّوت نحو بحر القصب. ندم فرعون على قراره فقرر ارسال جيشه وراء العبرانيين لكنهم غرقوا في البحر بعدما انشق سابقاً الى قسمين ليسمع للعبرانيين بالمرور.
٣) في الطريق نحو سيناء : تقدم الشعب نحو برية شور فعانوا العطش والجوع واصبحوا مغتاظين من موسى لكن الله اعطاهم طعام المنّ وامّن لهم الماء احياناً من المياه المالحة او من الصخر. بعد معركة مع قبائل العمالقة في رفيديم. بدأ موسى ينظّم شعبه من خلال اختيار قضاة لأنه غير قادر لوحده على ادارة شؤون الشعب.

٣. العهد في سيناء (١٩ – ٤٠)
  • بعد وصوله الى سيناء خيّم الشعب في اسفل الجبل واستعد للقاء الرب
    اعطى الله الشعب وصايا عديدة من اشهرها الوصايا العشر بالاضافة الى كتاب العهد
  • تقدمة ذبائح ومحرقات ختم العهد بين الله وشعبه
  • موسى يصعد مرة اخرى الى الجبل ليتلقى قوانين اخرى خصوصاً فيما يتعلق ببناء المقدس و تابوت العهد... في ختام هذا الحديث يتلقى موسى لوحي الوصايا
  • لكن الشعب فقد صبه بسبب تأخر موسى، قبل هارون رأي الشعب وصنعوا لهم صنماً يمثل الله على شكل عجل من ذهب.
  • موسى ينزل الى شعبه ويدمر العجل ولوحي الوصايا
  • بناء على طلب موسى تدخل الله من جديد. صعد موسى من جديد الى جبل وحفر قانون الشريعة من جديد على لوحي حجر
  • يختم الكناب مع تنفيذ اوامر بناء المقدس المتحرك.

ج - تعليق
١. من الناحية التاريخية :
١) الاقامة في مصر : لا يخبرنا الكتاب المقدس الكثير عن اقامة العبرانيين في مصر ولكن الابحاث الاركيولوجية تعطينا فكرة عن ذاك العصر. خلال سيطرة الهكسوس (١٧٣٠ – ١٥٨٠ ق.م.) نعم العبرانيون بالسلام وبالازدهار في ارض جاسان في مصر. ولكن في العام ١٥٨٠ انطلقت حركة تحرر وطنية ونجحت في طرد الهكسوس وتشكلت على أثر ذلك السلالة الثامنة عشرة من الطيبة. مع حكم الفراعنة لم تكن العلاقة على ما يرام مع العبرانيين فأخضعوهم للسخرة والاضطهاد. آنذاك استطاع الفراعنة اخضاع ارض كنعان الى سلطتهم وصولاً الى فينيقية. ولكن في عام ١٣٧٠ ق.م. استطاع الحثيون غزو ارض كنعان وصولاً الى الحدود المصرية. حوالي عام ١٢٨٠ تمكن الفرعون رعمسيس الثاني من اجبار الحثيين على توقيع معاهدة عدم اعتداء توجها بزواجه من اميرة حثية. في زمن هذا الفرعون حصل الخروج.
٢) موسى : ولد في عهد حورنحيب (١٣٣٤-١٣٠٦) او في عهد سيتي الاول على الارجح (١٣٠٩-١٢٩٠) ونشأ في مدرسة كتبة مترجمين كانت مصر بحاجة اليهم في علاقتها مع اهل آسية. حاول ان يقوم بعملية تحرير شعبه، رمز اليها الكتاب بقتل حارس مصري في اعمال السخرة. اضطر ان يهرب من مصر ووجد ملجأ عن المديانيين الذين كان كاهناً على رأسهم. جغرافياً تقع مديان في العربية في جنوب شرق خليج العقبة، ولكن بحسب علامات الكتاب المقدس، يظهر ان المديانيين هم جماعة بدو سكنوا على حدود سيناء شرق صحراء فاران. هناك تقاليد مختلفة في الكتاب المقدس بشأن معطيات تتعلق بزواج موسى (خر ٢/ ٢١؛ عدد ١٢/ ١؛ قضاة ١ / ١٦)  ولكن هناك شيء أكيد ان موسى كان له صلات مع المديانيين.
٣) رسالة موسى : يسود اعتقاد ان اسم يهوه كان معروفاً لدى قبيلة يثرو (حمو موسى) كاهن مديان. ولكن هذه نظرية غير مؤكدة. بحسب الكتاب المقدس ان الله كشف عن اسمه لموسى : يهوه ومن هنا ابتدأت الرسالة. (راجع المضمون اعلاه). ان قصة الضربات هي فن ادبي استخدم ظواهر طبيعية معروفة في مصر ولكن مجهولة في فلسطين (النيل الاحمر، الضفادع، الرياح الخمسينية) او التي معروفة في مصر وفي فلسطين (الجراد) او المعروفة في فلسطين وهي استثنائية في مصر (البرد)... انها روايات غير تاريخية بالمعنى الموضوعي للكلمة انما احداث ومعجزات تشكل درساً لفرعون. هدف الضربات امران : اعطاء مصداقية لموسى وهارون لدى الاسرائليين وامام فرعون كما اعتراف بقوة الله على فرعون.
٤) الضربة العاشرة والفصح والخروج من مصر : يمكن شرح موت ابكار المصريين بوباء ضرب مصر واصاب الاولاد المولودين الجدد بشكل خاص. ليس هناك من وثيقة مصرية تاريخية تتكلم عن موت كل ابكار المصريين. ان موت ابن فرعون البكر قد يفسر على انه بمثابة موت كل ابناء المصريين الابكار. بالنسبة للفصح هو في الاصل عيد قديم او بالاحرى عيدان جمعا لاحقاً : عيد رعوي يقوم على تقدمة حمل كذبيحة ومن ثم تناوله، وعيد زراعي حيث تقدم بواكير الحنطة ويؤكل الخبز الفطير للبدو. لاحقاً جمع العيدان الذي يحتفل به سنوياً في ليلة القمر المكتمل في الربيع. في تلك الفترة تضع المعز مواليدها. انها فترة دقيقة وهناك تهديد للقطعان الجدد. هذا التهديد يعود الى الشيطان، المدمر. من هنا تم رش عتبات البيوت بدم التيوس. من المرجح ان يكون خروج الاسرائليين تزامن مع احتفال العبرانيين بعيد الفصح. في فصل ربيع ما حيث كان يُحتَفَل بالفصح من اجل خصوبة القطعان قبل الانطلاق للرعي الصيفي، وبسبب وباء اجتاح مصر خرج الاسرائليون بقيادة موسى من مصر تحت قيادة موسى باسم الههم يهوه.
٥) خروج او اكثر من خروج ؟ (خر ١٣/ ١٧ – ١٥/ ٢١) : هناك نصوص تصف الخروج كهرب وأخرى كطرد. الخروج بالطرد: (خر ٦/ ١؛ ١١/ ١؛ ١٢/ ٣٩) يمكن فهم هذا الخروج انه تم في حوالي السنة ١٥٥٠ مع طرد الهكسوس. الخروج بالهرب : بحسب الرواية التقليدية المعروفة حوالي سنة ١٢٥٠ ق.م. في الخروج بالطرد، سلك الاسرائليون طريق الشمال ثم انحدروا الى واحة قادش وسيدخلون ارض كنعان من الجنوب. في الخروج بالهرب، سلك الاسرائليون طريق الشمال، ادركتهم مفرزة مصرية قرب بحيرة بردويل لكن مراكبها غاصت في الرمال المتحركة ونجا الساميون فتركوا هذه الطريق الخطيرة واتجهوا نحو قادش. هناك تقاليد عديدة حول طرق الخروج (خر ١٢/ ٣٧؛ ١٣/ ٢٠؛ ١٣/ ١٧-١٨؛ ١٤ /٢ و٩). ان الخبراء وجدوا صعوبات عديدة في تحديد مسارات الخروج. ربما اسماء المدن في سفر الخروج تتوافق مع مراحل حج عديدة وليس مع مرحلة مسار الخروج. هناك عدة تقاليد متعلقة بالخروج: التقليد الالوهي الذي يتفق مع الخروج عن طريق الجنوب؛ التقليد اليهوي الذي يتفق مع الخروج عن طريق الساحل، طريق الفلسطيين شمالاً. هناك تقليد آخر يتفق كم اتخاذ طريق جنوبية متوازية مع طريق الفلسطيين نحو سكوت وقادش. كل ذاك يثبت نظرية أكثر من خروج.
٦) عبور البحر : في التقليد اليهوي، لا ذكر ل عبور في وسط البحر : الريح جففت المياه فغاصت المراكب المصرية في الوحل، الامر الذي أثار اعجاب العبرانيين. نعرف بفضل مؤرخين قدماء ان شواطئ بحيرة بردويل كانت خطيرة جداً لأنها كانت عبارة عن قطعة مستطيلة من الارض الرملية تحبس مياه البحر. في الرواية الكهنوتية يشق الله المياه ويظهر اليبس وهو صورة للخلق. الخروج يصور كعمل خلق.
٧) جبل سيناء : تاه العبرانيون خلال ٤٠ سنة في شبه جزيرة سيناء : تحضير شعب متجدد لغزو ارض كنعان. ظهر الله لموسى واعطاء الشريعة على جبل سيناء او جبل حوريب بحسب التقليد. اين كان موقعه؟ في جبل موسى جنوب سيناء؟ هذا الخط لم يصبح خط سير تقليدي الاّ منذ القرن الرابع ب.م.؛ بالقرب من قادش، في جبل هور؟؛ في مدين، شرقي خليج العقبة ؟

٢. من الناحية الدينية :
- قصة الخروج هي اولاً "تذكار" للخلاص. قرأ الاسرائليون فيه عمل يهوه، الله القدير، في ذاك اليوم تدخل الله في حياتهم الشخصية والجماعية وقد اعطاهم الحرية بدل العبودية. بهذا المعنى يشكل الخروج حدثاً تاسيسياً للشعب العبراني. هؤلاء الذين نزلوا الى مصر كعائلة بطريركية بدوية عادوا نحو ارض كنعان كشعب الهه هو الله الوحيد.
- عندما نتحدث عن الخروج لا نقصد به الخورج من مصر وعبور البحر لأن البقاء ٤٠ سنة في الصحراء. في هذه المدة تعرف الشعب على الهه واختبره. ان عهد سيناء يشكل اطار للشريعة والوصايا والتعليمات الاساسية لهذا الشعب.
- شخصية موسى تبقى شخصية النبي الكبير ووسيط العهد ومشرّع التوراة. هذا الخادم (عدد٣/ ٧)، هذا الرجل، رجل الله الاكتر تواضعاً وفقراً على وجه الارض، هذا الرجل الذي حدثه الله كصديق (خر ٣٣ / ١١) قاد الشعب نحو قادش جنوبي ارض كنعان. من هناك قادهم نحو سهول موآب حيث جرت محاولة اولى لدخول ارض كنعان (عدد٢٢-٢٥). موسى مات تجاه ارض الوعد (تث ٣٤/ ١-٨). من  بعده سوف يكمل المشوار : شخصية جماعية : اللاويون كخدام للعبادات والتوراة؛ وشخصية فردية : يشوع بن نون كقائد عسكري.
- هذه الرواية هي ملحمة لاهوتية : كانت هناك عشائر مختلفة بقيت في ارض كنعان انضم اليهم الذين طردوا من مصر ولاحقاً الذين هربوا واتحدوا في شكيم (يشوع ٢٤). هناك اختلطت التقاليد وتداخلت الذكريات. وضعت هذه الذكريات لا لإلقاء درس في التاريخ او في الجغرافيا، بل لتحدثنا عن الله.