| زيارة غبطة البطريرك إلى بلدته حملايا |
يوم الأحد الواقع فيه ٢٤ تموز ٢٠١١ قام صاحب الغبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الكليّ الطوبى بزيارة راعوية إلى بلدته حملايا حيث احتفل مع راعي الأبرشيّة سيادة المطران يوسف بشارة السامي الاحترام بيوبيلهما الأسقفيّ الفضيّ. |
"إختارهم وأرسلهم إثنين إثنين أمام وجهه" (لو ١٠، ١ - ٧ ) إنّ هذه الزّيارة الرّاعويّة الأولى إلى حملايا والإحتفال باليوبيل الأسقفيّ الفضيّ لسيادة أخي المطران يوسف بشارة، وكنّا قد قمنا بزيارة راعويّة للأبرشيّة، يندرج في مسيرة طويلة عمرها ألفا سنة. عندما راح الرّبّ يسوع يختار ويرسل أمام وجهه من يهيّئ طريقه إلى نفوسهم، إلى عقولهم وقلوبهم ليعلنوا إنجيل السّلام. ويُسعدنا اليوم أن نلتقي لكي نحتفل مع سيادة راعي الأبرشيّة ومعي، بيوبيلنا الفضيّ لخمسٍ وعشرين سنة من حياتنا الأسقفيّة، وقد شئتم أن تشاركونا بهذه البهجة، وهذا الفرح. واليوبيل إسمه معه هو، "إفرحوا"؛ إفرحوا لأنّ الربّ هنا، إفرحوا لأنّ الرّبّ يدبّر كلّ شيء، إفرحوا لأنّ الرّب هو سيّد التّاريخ، إفرحوا لأنّه هو رفيق الدّرب لكلّ إنسان، يسير على وجه هذه الدّنيا حتّى يبلغ ميناء اللّه. إنّ هذا الإحتفال باليوبيل هو يوم الفرح، وقد عبّرتم عنه لأبناء حملايا وهذه المنطقة وعبرتم عنه فخامة الرئيس والسّادة الوزراء والنّواب، وكلّ الحضور. عبّرتم عنه بحضوركم، عبّرتم عنه بكلّ أضواء البهجة، بكلّ ما شهدنا وسمعنا، ودليلُ حبّ كبير للّه، للكنيسة، للأساقفة، للبطريرك الجديد، لأنّني هكذا منذ نعومة أظافري أدركت في حملايا، وكلّ هذه المنطقة. هنا شَهَدتُ طفلاً كلّ الحبّ للكنيسة وللّه، ولا عجب أن نرى ما صنعتم، إنّه من تاريخكم، إنّه من مسيرتكم. أجل. نحن نجتمع لكي نحيي هذا اليوبيل، وهو أوّلاً ذبيحة شكرٍ أطبعُها مع أخي المطران يوسف، على الخمسٍ وعشرين سنة، لكنّها أبعد من ذلك، نحن نشكرُ الربّ على كلّ مسيرة الكنيسة، لكن نشكر الرّب على مسيرتنا الشّخصيّة منذ ولادتنا في عائلاتنا وبيوتنا. إنّني أحيّي كلّ عائلة مسيحيّة تعيش إيمانها المسيحيّ وتتهيّأ لكي تواصل عمل اللّه الخلاصيّ لما تُنجب للمجتمع وللدّولة وللكنيسة. نحن معاً يوسف وأنا، نشكر الربّ على عائلاتنا وعلى كلّ عائلة. نشكر الربّ على عائلاتنا في ضِيَعنا، سيّدنا في قزحيّا في الشّمال وأنا في حملايا وهذه المنطقة، هي مسيرة الإيمان، ليس صدفةً أن عُيّن من قداسة البابا وانتُخب من السّينودوس مطراناً، وليس صدفةً أنّنا لبّينا الدّعوة إلى الكهنوت والحياة الرّهبانيّة وليس صدفةً أنّنا وُلدنا في عائلتين مسيحيّتين مارونيّتين، ليس صدفةً أن يولد المطران يوسف في قزحيّا، وأنا هنا في حملايا والجوار والمنطقة. هذا ليس بصدفة، هذه مسيرة طويلة تندرج في إنجيل اليوم، مسيرة الرّب يختار في المعموديّة، أشخاصاً يُرسِلُهم في الميرون، أمامه يعلنون إنجيل السّلام، أشخاصاً يختارهم لخدمة الكهنوت لكي باسمه وبشخصه يواصلوا إعلان سرّه وإنجيل السّلام كلمةً إنجيليّة هادية للعقول، نعمة في الأسرار تشفي، ومحبّة تخدم، ليس صدفةً أن يكون هناك رهباناً وراهبات يختارُهم لكي يسيروا على خطاه في كمال المحبّة. نحن إذاً في بالنا كلّ الّذين عرفناهم ولم نعرفهم، مسيرة عائلاتنا وبلداتنا ومناطقنا، الّتي من هذا الشّعب المسيحيّ عامّةً، ومن هذا الشّعب المارونيّ خاصّة، تمّ اختياره، نعم، كما اختار من قبلنا أساقفة وكهنة ورهبان وراهبات وبطاركة، دعوني أحيّي الأحياء منهم، من هذه المنطقة، إنّني أحيّي سيادة أخي المطران بطرس الجميّل، وأحيّي سيادة أخي المطران بولس الصيّاح النّائب البطريركيّ العامّ الّذي نُقل من الأراضي المقدّسة إلى الصّرح البطريركيّ، وكيف أنسى مثلّث الرّحمة أخي سيادة المطران خليل ضومط الّذي وضع عليّ يده في السّيامة الكهنوتيّة في ٣ أيلول ١٩٦٧. كيف أنسى كلّ الكهنة والرّهبان في هذه المنطقة وكلّ الوقت لا يكفي لتعدادهم، لكن كيف أنسى أيضاً، من كانوا قبلي مباشرة في الرّهبانيّة اللّبنانيّة المريميّة، عمّي المرحوم أبونا جبرايل، والّذي دعاني إلى الحياة الرّهبانيّة وكان لي المربّي المرحوم بونا بولس الرّاعي، وفي هذه المسيرة أحيّي أيضاً من يندرج فيها شقيقتي، أبونا طوني، أبونا سليم الرّيّس، هذا أذكره لا لكي أتميّز بشيء لكن لأقول، إنّ هذا يندرج بخط ما سمعناه في الإنجيل. إختارهم وأرسلهم وأنتم أيضاً أيّها المسيحيّون والموارنة، إختاركم واحداً واحداً، وأرسلكم أمام وجهه. يُسعدنا أن نحيّي فخامة الرّئيس أمين الجميّل، الّذي، أنتم تشعرون تماماً أنّه تم وحمّلتكم مسؤوليّة في رئاسة الجمهوريّة، أنتم والمرحوم شقيقكم الشّهيد الكبير الشّيخ بشير، والوالد، أرجو أن لا يكونَ هذا مديحاً، بل أن يكون مسيرةً طويلةً لبّيتموه في حياتكم السّياسيّة واللّبنانيّة لكي تعلنوا إنجيل السّلام في العالم السّياسيّ، أحيّي نجلَكم النّائب سامي، وأحيّي ما قدّمتم من شهداء في سبيل لبنان، هو دعوةٌ لكي تواصلوا الخطّ. أيّها السّادة الوزراء والنّواب الحاضرين معنا، والّذين يواصلون مسيرة خدمة السّلام في مجتمعنا اللّبنانيّ. أحيّي كلّ الّذين سقطوا شهوداً وشهداء، على مذبح الوطن، من أجل أن يبقى لبنان صخرةَ سلامٍ في هذه البيئة المشرقيّة ويبقى لبنان بحضوره الكنسيّ والمسيحيّ يُعلنُ إنجيلَ السّلام الّذي من أجله الرب يسوع اختار من اختار، كلّنا معنّيون، بالمعموديّة معنيّون، إختيار وإرسال، بالكهنوت معنيّون إختيار وإرسال، بالحياة الرّهبانيّة معنيّون، مُختارون، بالنّذور المقدّسة، بالأسقفيّة مُختارون، بالبطريركيّة مختارون ومُرسلون لكي نُعلنَ لعالمنا إنجيل السّلام. لذلك هذه الذّبيحة الّتي أقدمّها مع أخي المطران يوسف هي شكر على كلّ هذه المسيرة الطّويلة منذ ألفي سنة، وشكر على الخمسٍ والعشرين سنة الّتي عشناها معاً من الوحدة الأولى، ونحن من الأوّل الّذين بدأوا مسيرتهم مع الّذي نحيّيه اليوم ونحتفل بيوبيل الخمسٍ والعشرين سنة بطريركاً على أنطاكيا وسائر المشرق، غبطة أبينا السيّد البطريرك الكردينال مار نصراللّه بطرس صفير، يحتفل بالخمسٍ والعشرين سنة من بطريركيّته وكنّا من أوئل السّادة المطارنة الّذين رافقنا المسيرة الأولى، وكما يحتفل أيضاً بهذه السّنة بالخمسين سنة من حياته الأسقفيّة. نحن نرفع إليه وهو في الدّيمان على هضبة الوادي المقدّس الّذي انطلقت منه المارونيّة، نحن ننحني له، راجين له العمر الطّويل، ليبقى إنساناً حيّاً في هذه المسيرة، بتواضع وصبر، معروفَين. أجل نحن نواصل هذا الخطّ، نشكر الربّ عليه ونشكركم أيضاً لأنّكم أنتم وبسببكم ولأنّكم مؤمنون، وأخاطب حملايا والمنطقة وفي ضميري أيضاً قزحيّا. نحن نشكر كلّ الّذين حافظوا على هذه المسيرة الطّولة وهيّأوا طريقها، ولذلك أقول ليس صدفة هذه، أن يتوّج الربّ هذه المسيرة إذا أردنا التّكلّم عن التّاج والإفتخار. لكن أودّ أن أقول مع أخي المطران يوسف، ألشّكر لكم، لصلاتكم لمثلكم لتضحياتكم، في هذا الوقت الأخ يوسف يفكّر في قزحيّا وأنا أفكّر هنا محبّة الكنيسة، محبّة الكهنة، محبّة مطران الأبرشيّة، محبّة الرّهبان والرّاهبات. يجول في بالي الإثني عشر سنة الّتي أمضيتها في حملايا قبل دخولي الدّير، لذلك أريد أن أقول لكم شكراً. بسببكم، استطعت أن أسمع صوت الرّب بدخول الدّير، وبسببكم كان الربّ يدعو ويدعو ويدعو، أقول مع سيّدنا شكراً لكم، وشكراً لأهالي قزحيّا، شكراً للوالدين، شكراً للأهل الّذين ربّونا على الإيمان المسيحيّ، شكراً لمسيرتكم اليوم حيثما أنتم، لذبيحة الشّكر، شكراً للكهنة، وللرّهبان والرّاهبات الّذين معنا والّذين سبقونا. لكن هذا أيضاً إحتفالٌ بذبيحة الإستغفار، الرّب اختارنا والرّب أرسَلَنا لنعلنَ إنجيل السّلام، لا نقدر إلاّ أن نستغفر معاً عن كلّ نقص، عن كلّ خطأ، عن كلّ مرّة لم نلبّ الدّعوة، عن كلّ مرّةٍ نسَينا، أنّه هو اختارنا وأرسَلَنا، عن كلّ مرّةٍ لم نبنِ السّلام. ذبيحة الخمسٍ والعشرين سنة، هي للإستغفار عن كلّ النّواقص، أنتم تشتركون معنا أيضاً، لأنّه إن في المعموديّة أو النّذور الكهنوتيّة، نحن مُختارون أمام وجه الربّ، نعن أمام وجهه، حتّى نهيّء له الدّرب؛ نستغفر إذاً عن كلّ مرّة لم نهيّء له الدّرب، نستغفر عن كلّ مرّةٍ في تصرّفاتنا وأعمالنا لم نُدخل يسوع إلى قلوب النّاس، لم نشهد له لم نعكس وجهه. لكنّ اليوبيل أيضاً، هو نقطة انطلاق من جديد، اليوم يقول لنا أنا أرسلكم، بعد خمسٍ وعشرين سنة، يقول سيّدنا يوسف يقول أرسلكم إثنين إثنين. أتمنّى لك سيّدنا مسيرة مباركة، تواصل فيها خدمة الكنيسة عامّةً، وخدمة أبرشيّة أنطلياس خاصّةً. ونحن نعلم سيّدنا، كم كان مجيئك للأبرشيّة نعمة كبيرة، كم أحييتَها وكم أنعشتَها، ولم يبقَ أحد لم يعرف، أنّ خدمَتَك لم تقف فقط على حدود خدمة أبرشيّة أنطلياس، لكنّك أحببت الكنيسة المارونيّة والكنيسة الجامعة، وأعطيتها الكثير من قلبك، وبفخر كبير أنت رائد المجمع البطريركيّ المارونيّ، الرّبيع الجديد في كنيستنا. أتمنّى لك في نهاية الخمس والعشرين سنة كلّ النّعمة والقوّة والصّحة، حتّى تواصلَ رسالتَكَ وتشهدَ ليسوع، مثلما فعلت. وحده يعلم كم حقّقت في كرم الرّب، لكن لا أقدر إلاّ أن أقول معك، يا ربّ الشّكر لك، يا ربّ كلّ شيء لك ولمجدك، وهكذا تواصل رسالتك، مع الكهنة والرّهبان والرّاهبات، وكلّ أبناء الأبرشيّة حاملين معاً إنجيل السّلام. واليوم، باختياركم أنتم إخوتي المطارنة أودّ أن أحيّي سادتنا الموجودين معنا، إلى جانب سيّدنا المطران بولس الجميّل الّذي لطالما كان المقال والمربّي والمعلّم، وصاحب الإصلاح اللّيتورجي كرئيس اللّجنة، وأخينا سيّدنا المطران إيدغار ماضي على البرازيل، وقد جاء من البرازيل. وكلّ المطارنة، بإختيارهم ومحبّتهم وإلهام الرّوح القدس، اختاروني بطريركاً. لكنّي أفهم هذا الإختيار إرسالاً من جديد، إرسالاً أمام وجه يسوع، إلى كلّ مكان. وأنا طبعاً بحاجة، إلى جانب ثقة إخواني المطارنة الكبيرة وصلاتهم وصلاة إخوتي الكهنة والرّهبان والرّاهبات، أنا بحاجة أيضاً إلى صلاتهم، وبفضل صلاتهم أنا اليوم بطريرك. وأنا اليوم أكثر من أيّ وقت مضى بحاجة لصلاتهم. محبّتكم تحملني على الرّاحات، لكنّي بحاجة لصلاتكم. حتّى أقدر أن أكون على مستوى ما يريده الرّبّ، وعلى مستوى الإختيارات الّتي عبّرتم عنها، وعبّر عنها كلّ النّاس. أشكركم أبونا كمال وأشكر كلّ أبناء المنطقة على هذا الإحتفال الّذي نظّمتوه، وعلى التّعاون. أشكركم وأشكر الخوريّة الّتي كانت ضحيّة، لقوس النّصر الّذي سقط عليها، وقد تسبّب لها بكسور، ونُقلت على أثره إلى المستشفى، متمنّياً لها كلّ التّوفيق، ونمزُجُ آلامها بألام المسيح، ونضمّها إلى ذبيحة اليوم. نشكر كلّ الوسائل والقصائد الّتي عبّرتم من خلالها على حبّكم، وأقول لكم أنّ هذه صلاة للرّبّ، وفرحُكم هو علامةٌ أن إنجيل السّلام حالّ في العالم، وليس سوى تواصلٌ لرسالتنا معاً. نجدّد اليوم مع سيّدنا يوسف مع كلّ واحد منكم مسيرتنا التي أرسلنا من أجلها يسوع المسيح. مسيرة السّلام، والسّلام هو أن يعيش الإنسان الطّمأنينة مع اللّه ومع النّاس، هذا هو سلام الإنجيل، عطيّة كبير من اللّه. يوم وُلد يسوع هلّلوا الملائكة السّلام على الأرض، هذا يعني أنّنا قد تسلّمنا كبشر مهمّة السّلام، حتّى يعيش الإنسان أيّامه المعدودة على الأرض سعيداً، يعش فرحاناً. أحيّي جميع الّذين يعملون على جعل النّاس سعداءً على كلّ المستويات. يقول بولس الرّسول "إفرحوا". لدينا في حملايا والمنطقة قدّيسة كبيرة، بفضلها الإيمان. ونحن اليوم كرّسنا الكنيسة والمذبح، على أمل أن تُكرّس الكنيسة الكبيرة فوق. تُعلّمُنا القدّيسة رفقا أنّ الفرح والسّلام لا يقوم على لا على المال ولا على الصّحة ولا على الجاه ولا على المناصب. علّمتنا بآلامها، وهي وهي الّتي تفكّك أعضاءُ جسمها، هي الّتي فقدت النّظر، علّمتنا الفرح، الفرح أن نعيش سلامنا مع اللّه ومع النّاس، هذا هو الفرح الحقيقيّ، والرّبّ يسوع وحده يعطينا إيّاه، ويزرع السّلام في قلوبنا. يجبُ أن نسير طريق السّلام حتّى نعيشَ سعداء. لا يمكننا أن نقبل كمسيحيّين أن نكون سبباً لإتعاس أيّ إنسان، أن نكون سبباً لظلم أيّ إنسان، أن يعيش مقهوراً، محروماً. نحن نحملُ إنجيل السّلام لكلّ إنسان مهما كان لونه أو عرقه أو حزبه أو موقعه. كلّ إنسان يحقّ له أن يعيش سعيداً. نجدّد اليوم وعدنا في هذا اليوبيل أن لا نكون سبباً لإحزان أيّ إنسان. وأصلّي من أجل هذا العمل وقد دعانا اللّه للخدمة الكهنوتيّة، وأنتم في الحياة الإجتماعيّة والعائليّة والسّياسيّة... لا يمكن أن أكون مسيحيّاً ولا أكون إمرأة أو رجل سلام. لا أقدر أن أكون مسيحيّاً وأمارس خدمتي أو وظيفتي أو سلطتي لغير السّلام. ألسّلام ليس مبهماً. علّمتنا الكنيسة أنّ السّلام يُبنى على أربع زوايا أساسيّة حتّى يكون العالم بسلام: - لقد أعطانا الرّب يسوع أوّل وسيلة للسّلام هي الحقيقة. لعقول البشر. ما من إنسان يعيش بسلام من دون أن يعرف الحقيقة. الحقيقة هي حقيقة اللّه الّذي انكسف لنا. الآب الّذي يحبّنا، الإبن الّذي افتدانا، والرّوح الّذي يُحيينا. ما من أحد منّا يقدرُ أن يعيش بسلام، إذا كان يجهلُ سرّ الإنسان، المخلوق على صورة اللّه، هيكل الرّوح القدس. لا يقدرُ الإنسان أن يعيش بسلام، إذا كان لا يعرف هذه الحقيقة، حقيقة التّاريخ؛ التّاريخ ليس الحرب والدّمار، التّاريخ ليس الإستبداد والظّلم... ألتّاريخ هو مسرح يحقّق فيه الإنسان علامة ذاته ويبني أدبيّته. من لا يعرف هذا التّاريخ وهذه الحقائق لا يقدر العيش بسلام. الضّلال ليس سلاماً، الكذب ليس سلاماً. الإزدواجيّة ليست سلاماً. التّحايل ليس سلاماً. لا سلامَ في عقل الإنسان من دون الحقيقة. ليست حقيقتي أنا، ولا حقيقتكَ أنت. هي حقيقة الحقيقة المطلقة الّتي وحدها تحرّر وتوحّد وتشفي. - الإنسان صاحب حريّة، صاحب إرادة. لا يقدرُ على الإنسان العيش بسلام إذا لم يكن حرّاً. حرّ من الدّاخل، حرّ من ذاته. حرّ من الإستعباد. فالحريّة هي عطيّة لإرادة الإنسان، حتّى يقدرَ أن يختار بحياته، ويتّخذ قراراتٍ. الحريّة هي أن لا أفعلَ ما أشاء، ألحريّة هي أن تعمل وتختار ما هو حقّ، ما هو الأحقّ، ما هو الاصلح، وما هو الافضل، وما هو الأجمل. هذه هي الحريّة. من لا يعرفها لا يعيشُ سعيداً. لا يعرف السّلام، لا في ذاته ولا في غيره. من لا يعرف الحريّة الدّاخليّة يستعبد النّاس. يجعلُهم سلعةً، يجعلُهم أداةً، ولا أحد يستحقّ أن يستعبدَ أحداً. وحدها الحريّة الحقيقيّة، الحريّة الدّاخليّة، والّتي تنوّرها الحقيقة، تجعلُ الإنسان يتّخذ القرارات اليوميّة، بما هو أحقّ وأجمل وأفضل وأعدل. - العنصر الثّالث هو قلب الإنسان. نحن مخلوقون على صورة اللّه بعقلنا المفتوح على الحقيقة، بإرادتنا المفتوحة لحريّة وبقلبنا المفتوح للحبّ. ألحبّ. لا سلام من دون حبّ. ومن لا يحبّ لا يعيش بسلام. ومن ليس محبوباً لا يعيش بسلام. الحبّ من قلب البشر. لا يقدرُ الإنسان أن يكون له قلب من حجر، ويعيش بسلام. ألمحبّة بالقلوب هي المشاعر الإنسانيّة. الحنان، الرّأفة، إحترام الآخر، التّضامن مع الآخر، فهم الآخر، التّفاني في سبيل الآخر. من لا يحبّ، لا يُحرّر أحداً. من لا يحبّ، لا يُجيدُ الحقيقة. من لا يُحبّ لا يُجيد الغفران، ولا يسامح ولا يُصالح، ويبقى ميتاً في قديمه، في عتيقه. ليس جميلاً أن يعيش الإنسان بقلب من حجر. ليس جميلاً أن ينسى أنّه على صورة اللّه، وقد قالها يوحنّا: "اللّه محبّة". تُريدُ أن تعرفَ نفسَك، أنظر إلى مرآة الحبّ، تعرف إذا كنت إنساناً أو لا. كم هو بحاجة مجتمعنا اللّبنانيّ بحاجة إلى هذا السّلام، وإلى هذه الحريّة، والمحبّة. - والزّاوية الرّابعة هي العدالة. للعلاقات بين النّاس، العدالة، الّتي تُعطي لكلّ ذي حقّه. وأوّل ما يحقّ له الإنسان هو أن يعرف الحقيقة، التّعلّم والتّثقّف والتّعلّم والتّربية. إذا لم تتأمّن له، لا يعيش بسلام. من حقّ الإنسان أن يعيش حرّاً، من دون أن يستعبدَه أحد، وأن لا يستعمله أحد سلعةً أو أداةً. حتّى يقدرَ أن يعيش بسلام. من حقّ الإنسان أن يكون له حقوقه الأساسيّة حتّى يعيش بكرامة، وأن يبنيَ بيتاً وأن يحقّق ذاته. وهنا تدخل السّياسة والإقتصاد والمسؤوليّة. لا أحد يقدرُ أن يحملَ مسؤوليّةً عامّة، ويكون همّه الأكبر كيف يؤمّن للنّاس حقوقم بالعيش الكريم. نعم. إنجيل السّلام ليس كلمةً ميتةً، نقولها عندما نلتقي في القدّاس. إنجيل السّلام هو حياة كلّ الشّعوب. فكلمة إنجيل تعني الخبر الجميل، خبر السّلام. خبر الحقيقة. خبر الحريّة. خبر المحبّة. خبر العدالة. تقتضي العدالة تأمين حقّ الإنسان، وأن يكون مُحترماً. أن يكون محبوباً. وإنجيلُ اليوم هو إنجيل السّلام، وكلّنا مدعوّون أن نلتقي يوم الأحد، لأنّ اللّه بعثَ لنا رسالة، مكتوب، في كلّ أحد يُرسل إلينا اللّه "مكتوب" وهو القراءات. لذلك إحتفالنا اليوم باليوبيل، سيّدنا وأنا، يندرج في هذا الخطّ. نحن فرحون أن ننتمي إلى منطقة صنعت السّلام، خرّجت وجوهاً جميلة خدمت إنجيل السّلام، منطقة متجانسة إن كان هنا أو في قزحيّا، في الشّمال، المحافظة على التّقاليد اللّبنانيّة، وهذه المنطقة. نرفع اليوم إنجيل السّلام لكلّ لبنان، للعالم العربيّ وعالم الإنتشار، حيّث ينتشر أهلُنا. أيّها الرّب يسوع ذبيحة الشّكر، والإستغفار، والإنطلاق من جديد، نقدّمها لك يا ربّ. ونقول لكلّ المسيحيّين، والكهنة والرّهبان والرّاهبات، الأساقفة البطريرك، يقول لك كلّ واحد منّا: "ها أنذا". ومعاً: "ها نحن يا ربّ، أرسلنا من جديد، في عالمنا اليوم المُتعطّش، لإنجيل السّلام، أرسلنا من جديد، وساعدنا بنعمتك، حتّى نفتح العقول للحقيقة، والإرادات بالحريّة، والقلوب بالمحبّة، والعلاقات بالعدالة، أن نعكسَ وجهك، وأن نهيّيء دربك لكلّ إنسان، ساعدنا يا ربّ، وأرسلنا رعياناً لإنجيل السّلام، لك المجد مع أبيك وروحك القدّوس الآن وإلى الأبد. |
| عودة إلى أعلى الصفحة |






