الصفحة الرئيسية > حدث > مهرجان الأبرشيّة ٢٠٠٩ > المقالة الفائزة بالمرتبة الأولى في مهرجان مار بولس  

بحث



مقالة شخصيّة عن مار بولس
إعداد الطالب الاكليريكي حبيب قزحيا

شاول شاول لماذا تضطهدني؟ (أعمال ٩، ٤)

بهذا السؤال عاتب الرب يسوع شاول وأنّبه على تصرفه الخاطيء، لأنّه يعرف قلب شاول وفكره، فأراد أن يسلّمه حقيقة البشارة، ويجعل منه رسولاً. صحيح أنّ شاول لم يكن يدرك أنّ ما يفعله شرّ ولا يخدم مشيئة الله، لذلك كلّمه المسيح فكان صوته صوت الحق الذي يهدي إلى الطريق الصحيح.
بعد هذا الصوت وإيقاظ دعوة شاول الحقيقية، ألا وهي اتباع المسيح، قام شاول برياضته الروحيّة الطويلة الصامتة والمصغيّة، ليتعلّم من المسيح ومن الرسل التعليم المسيحيّ وليتلقّن الكلمة الحيّة والمحيية التي أنارت له الطريق وجعلته يرى نور الحياة. فكانت نتيجة هذا الصمت وهذا الاختبار الروحيّ والباطنيّ، المليء من الجهاد الداخليّ ومن الصبر والتتلمذ، أن أصبح شاول رسولاً للأمم يحمل اسماً جديداً وهو “بولس”، فالاسم الجديد يعبّر عن الدعوة الجديدة التي سيحملها بولس في ذاته، والتي ستكشف هويته الجديدة للعالم أي تلميذ للمسيح ورسول له. وأكبر دليل على هذا، هو التغيير الكليّ الذي حصل في حياة بولس: حماس بولس الأول لاضطهاد المسيحيين والمسيح، تحوّل إلى حماس أكبر لنشر كلمة الله والتبشير بالمسيح، وتمسّك بولس بالشريعة وبحرفيّة الناموس تحوّل إلى تمسّك بشخص يسوع المسيح من دون تراجع، هو الذي قال: “فمن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟ (رو ٨، ٣٥) وأكثر من ذلك، لم تبق مسيرته متوقفة فقط على تحوّلٍ تمَّ في فترة زمنيّة معيّنة وانتهى، بل كان تحوّلاً جذرياً وتصاعدياً ارتفع ببولس إلى القمة في معرفة المسيح حتى أصبحت حياته المسيح، ولم يعد هو يحيا بل المسيح يحيا فيه، فشهادته الصادقة وإيمانه القويّ، بفضل نعمة الله وجهاده المستمر، جعلا من رسالته رسالة حيّة حتى يومنا هذا.
فها نحن اليوم، نقرأ رسائله ونتعرّف إلى حياته، ونستشهد في أقواله ونتأمل في روحتنيّته، فلم يعد ذكر بولس يتعلّق في حقبة معيّنة من التاريخ، بل أصبح قدوة للتلميذ الحقيقي ليسوع في كلّ وقت وذلك لأنّه سمح للمسيح، الذي هو كلّ شيء في كلّ زمان ومكان، أن يظهر من خلاله، فبفضل المسيح عرفنا بولس وبفضل بولس عرفنا المسيح، إنّ العلاقة بين بولس والمسيح أقوى من كلّ شيء وأقوى من كلّ رباط بشريّ، لدرجة أنّها تشهد حتى اليوم أمامنا وبيننا: فالوردة التي يفوح عطرها في البستان لا يمكن أن تخفي سحرها والعصفور الذي يملأ الحديقة من الأنغام لا يقدر على الاختبا، وهذا الأمر ينطبق تماماً على القديس بول الذي أعطى المسيح للناس وحمل شعلة كلمته بغيرة وجرأة لا مثل لهما، فبولس تجرّأ وقال: ”اقتدوا بي كما أقتدي أنا بالمسيح”، وقد اقتدى فعلاً بالمسيح لدرجة أنّه تحمّل الآلام واختبر الموت والاستشهاد اليوميّ - كحبة الحنطة التي تقع في الأرض وتمت لتثمر حياة - وأكمل طريقه أيضاً حتى الاستشهاد بالدمّ فكان متشبهاً بمعلّمه في كلّ شيء، كل هذا لأنّه سمع كلام معلّمه الذي يدعوه للاتحاد به. وبفضل حسّه الرسوليه هذا ومحبته العميقة للمسيح، لم يلبث أن تشجّع مؤمنون كثيرون ليجاهدوا في سبيل البشارة، ويشهدوا للمسيح المتجسّد والقائم من الموت، فجاهروا بإيمانهم حتى الدمّ لأجل الكرازة بالمسيح الربّ، المنتصر على سلطان الظلام.
دام لنا القديس بولس وأعطانا الله بفضل صلاته قوّة الإيمان والجرأة في عيش حياتنا المسيحية من دون خجل أو خوف
صلاته معنا آمين