الصفحة الرئيسية > كهنة الأبرشية > اجتماع الكهنة الدوري ٢٠٠٨ - ٢٠٠٩ > اجتماع الكهنة ٣ تشرين الأول ٢٠٠٩  

بحث



اجتماع كهنة أبرشيّة أنطلياس المارونيّة ٣ تشرين الأول ٢٠٠٩

 
 في صباح يوم السبت ٣ تشرين الأول ٢٠٠٩ وبعد صلاة الصباح المعتادة في كنيسة مار يوسف التقى كهنة أبرشية أنطلياس المارونية في المطرانية - قرنة شهوان، حيث أطلق سيادة راعي الأبرشية المطران يوسف بشارة السامي الاحترام  موضوعا حول رسالة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر الى الكهنة ثمّ توزع الكهنة على حلقات حوار حول الموضوع. وبعد خلاصة حلقات الحوار أعطى راعي الأبرشية توجيهاته.
 
 صور من اجتماع الكهنة "انقر هنا"
 
 رسالة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر الى الكهنة
 
هدف السنة الكهنوتية
إن السنة الكهنوتية تبغي أن تساهم في تشجيع جميع الكهنة على أن يلتزموا التجدد الداخلي حتى تكون شهادتهم الانجيلية في عالم اليوم أشدّ وقعاً وأكثر اندفاعاً. فالكهنوت هو حبّ قلب يسوع، هذا ما كان يردده خوري أرس. هذه العبارة المؤثرة تسمح لنا قبل كل شيء أن نستذكر بحنان وعرفان جميل عطية الكهنة السامية ليس فقط للكنيسة بل أيضاً للانسانية ذاتها. اني أفكر في جميع هؤلاء الكهنة الذين يقدمون للمؤمنين المسيحيين وللعالم كله التقدمة اليومية الوضيعة أي كلام المسيح وأعماله، مجتهدين في الانتماء اليه بأفكارهم وارادتهم وعواطفهم ونهج حياتهم كلها. وكيف لا نشير بوضوح الى أتعابهم الرسولية، وخدمتهم الدائمة والخفية، ومحبتهم المنفتحة على ما هو شامل. وماذا نقول في الأمانة الشجاعة لكثير من الكهنة الذين يظلون أمناء لدعوتهم، رغم ما يواجههم من صعوبات وسوء فهم؛ انهم يظلون أصدقاء للمسيح وقد قبلوا منه دعوة خاصة، واختارهم وأرسلهم؟ 

نماذج كهنوتية
ولا أزال أحفظ حقاً في قلبي ذكر أول كاهن قمت بقربه في خدمتي ككاهن شاب. لقد ترك في نفسي مثال التفاني الكامل في خدمته الرعوية، حتى أنه مات بينما كان يحمل القربان الى مريض في خطر. ويتوارد في خاطري ايضاً ذكر العديد من الاخوة الذين صادفتهم وأصادفهم، حتى في أسفاري الرعوية في عدة بلدان، وجميعهم ملتزمون الممارسة اليومية لخدمتهم الكهنوتية. غير أن العبارة التي استعملها القديس جان ماري فياناي تشير أيضاً الى قلب يسوع المطعون بالحربة والى اكليل الشوك المحيط به. وعندئذ يتجه فكرنا الى ظروف العذاب العديدة التي يتخبط فيها الكهنة إما لأنهم يشاركون في الاختبار البشري للألم بكل أشكاله، وإما لأن المستفيدين من خدمتهم يسيئون فهمهم: وكيف لا نذكر العديد من الكهنة الممتهنة كرامتهم، والممنوعين من ممارسة رسالتهم، والمضطهدين أحياناً حتى الاستشهاد؟
وللأسف هناك أوضاع، لم يُندَّد بها ما يكفي، حيث الكنيسة نفسها تتألم من خيانة بعض خدّامها. وهذا ما يشكّل للعالم سبباً للشك والرفض. وفي هذه الحالات ما يفيد الكنيسة ليس التشهير المفصل بنواقص خدّامها، بل بالأحرى الوعي المتجدد والمفرح بعظمة عطية الله، التي جسّدها وجوه رعاة اسخياء ورائعين، ورهبان هيام بحب الله والنفس، ومرشدون روحيون متنورون وصبورون.


مفهوم خوري أرس
في هذا المجال، ان تعاليم القديس يوحنا ماري فياناي ومثله بوسعها أن تشكل مرجعاً قوياً: فخوري ارس كان متواضعاً، ولكنه كان يدرك، ككاهن، بأنه عطية فائقة لشعبه. وكان يقول ان الراعي الصالح، الراعي وفق قلب الله، أكبر كنز يستطيع الله أن يمنحه للرعية، وانه أثمن عطايا الرحمة الالهية. وكان يتحدث عن الكهنوت وكأنه لم يتوصل الى الاقتناع بعظمة العطية والمهمة الملقاة على خليقة بشرية: آه يا لعظمة الكاهن. لو فهم من هو لمات...فالله يطيعه: يقول كلمتين وربنا ينزل من السماء وينحبس في برشانة صغيرة. ولكي يشرح لمؤمنيه أهمية الأسرار، كان يقول: لو لم يكن لدينا سرّ الكهنوت، لما حصلنا على ربنا يسوع. من وضعه في بيت القربان؟ الكاهن. من اقتبل نفسنا عندما دخلت الحياة؟ الكاهن. من يغذّيها ويقوّيها لتقوم بحجّها؟ الكاهن. من يُعدّها للمثول أمام الله، غاسلاً هذه النفس للمرة الاخيرة في دم يسوع المسيح؟ الكاهن ودائماً الكاهن. واذا ماتت هذه النفس بسبب الخطيئة، فمن يقيمها ومن يعيد اليها الأمان والسلام؟ انه الكاهن. فبعد الله، الكاهن هو كل شيء. ولا يُفهم الكاهن على حقيقته إلاّ في السماء. هذه التأكيدات النابعة من القلب الكهنوتي للخوري القديس، قد تبدو لنا مفرطة. ولكنها تبين مع ذلك كم كان اعتباره كبيراً لسرّ الكهنوت. كان يبدو وكأنه مغمور بشعوره بمسؤولية لا حدود لها: لو فُهم الكاهن على حقيقته على الأرض، لمتنا لا خوفاً بل حباً. فلولا الكاهن، لما كان من منفعة لموت ربنا وقيامته.
إن الكاهن يتابع على الارض عمل الفداء. وما نفع بيت مليء بالذهب، اذا لم يكن لديك من يفتح الباب؟ ان لدى الكاهن مفتاح الكنوز السماوية. انه هو الذي يفتح الباب، انه قيّم الله الصالح، ومدبر خيوره. اتركوا رعية عشرين سنة بدون كاهن، فتُعبد فيها الحيوانات. فالكاهن ليس كاهناً لنفسه بل لكم.

وعي خوري أرس لعمله الرعوي ونمط رسالته
لقد وصل الى قرية أرس الصغيرة بعد أن أعلمه أسقفه بأنه سيجد فيها وضعاً دينياً هشاً: لا محبة تذكر لله في هذه الرعية، انما ستضعها أنت فيها. لقد كان واعياً تمام الوعي بأن عليه أن يذهب اليها ليجد فيها حضور المسيح، شاهداً لحنانه الخلاصي: الهي امنحني ارتداد رعيتي. واقبل أن أحتمل ما تريد كل حياتي. لقد بدأ رسالته بهذه الصلاة. فالكاهن القديس تكرس بكل قواه لارتداد رعيته، معطياً الاولية في اهتماماته لتنشئة الشعب الموكول اليه تنشئة مسيحية. أيها الاخوة الاعزاء في الكهنوت، لنطلب من الرب يسوع النعمة لنستطيع أن نتعلم نحن ايضاً طريقة القديس جان ماري فياناي الراعوية! ما يجب أن نتعلمه بادئ ذي بدء هو تماهيه التام في خدمته. في يسوع، الشخص والرسالة متلازمان، لان كل عمله الخلاصي كان ولا يزال تعبيراً عن كيانه البنوي القائم منذ الازل، أمام الآب في موقف الخاضع خضوع الحب التام لارادته. وقياساً على ذلك وإن بتواضع، فعلى الكاهن أيضاً أن يسعى الى هذا التماهي. مع التأكيد بأنه علينا ألاّ ننسى أن الفاعلية الجوهرية للخدمة لا ترتبط بقداسة الخادم.

قداسة الخدمة وقداسة الخادم
ولكن لا نستطيع أن نتجاهل الخصب الفائق الحاصل من تلاقي قداسة الخدمة الموضوعية وقداسة الخادم الذاتية. ان خوري أرس استسلم فوراً للتوفيق بتواضع وصبر بين حياته كخادم وقداسة الخدمة الموكولة اليه، الى حدّ أنه قرر أن يسكن فعلاً في كنيسة الرعية: فمنذ وصوله اختار الكنيسة مسكناً له. كان يدخل الكنيسة قبل الفجر ولم يغادرها إلاّ بعد صلاة التبشير مساءً. هنا كان يجب البحث عنه، في حال الاحتياج اليه، كما ورد في سيرة حياته الاولى. ان المبالغة التقوية لدى كاتب حياته الغيور يجب ألاّ تنسينا أن الخوري القديس عرف كيف يسكن ايضاً وبنشاط في مساحة الرعية كلها. كان يزور جميع المرضى والعائلات بطريقة منهجية، وكان ينظم رسالات شعبية وأعياداً للقديسين. كان يقبل ويدير الهبات المالية لأعمال المحبة والرسالة، وكان يزين كنيسته موفراً لها الاواني المقدسة، ويهتم بيتامى العناية (مؤسسة أنشأها هو) وبمربياتهن، كما يهتم بتربية الاولاد، وكان ينشئ الأخويات ويدعو العلمانيين الى التعاون معه.

التعاون مع العلمانيين
إن مثله يدفعني الى أن اشير الى مجالات التعاون التي يجب أن نفسح فيها مكاناً للمؤمنين العلمانيين. لان الكهنة يشكلون وإياهم الشعب الكهنوتي الوحيد، ويوحدون فيما بينهم بسبب كهنوتهم الخدمي، ليقودوهم الى الوحدة في المحبة، يحبون بعضهم بعضاً ويتنافسون بمراعاة بعضهم بعضاً. وفي هذا الاطار لا بدّ من التذكير كيف أن المجمع الفاتيكاني الثاني شجع الكهنة تشجيعاً حاراً ليعترفوا بصدق بكرامة العلمانيين ويستثمروها وأن يخصّوهم بما يعود اليهم في رسالة الكنيسة. عليهم أن يُصغوا الى العلمانيين بطيبة خاطر، وأن يعيروا اهتماماً لرغباتهم بطريقة أخوية معترفين بخبرتهم وكفاءتهم في مختلف حقول النشاط الانساني، حتى يستطيعوا أن يميزوا معهم علامات الازمنة.

شهادة الحياة وعلاقته بالافخارستيا
إن الكاهن القديس كان يعلّم ابناء رعيته خاصة بشهادة حياته. فعلى مثاله تعلم المؤمنون الصلاة، متوقفين برضاهم أمام بيت القربان ليقوموا بزيارة ليسوع في الافخارستيا. لسنا بحاجة الى الكثير من الكلام في الصلاة، كان يشرح لهم الخوري. نعرف أن الله هو هنا، في بيت القربان المقدس. نفتح له قلبنا ونستلذ حضوره. هذه هي أفضل صلاة. كان يحثهم: تعالوا الى المناولة، تعالوا الى يسوع، تعالوا عيشوا له. من المؤكد أنكم لستم أهلاً، ولكنكم في حاجة اليه! ان تربية المؤمنين هذه عن الحضور الافخارستي وعن المناولة كان لها أثرها الخاص، عندما كان المؤمنون يشاهدونه محتفلاً بذبيحة القداس. المشاركون فيها كانوا يقولون بأنه من غير الممكن رؤية وجه يعبّر هذا التعبير عن السجود. كان يتأمل القربانة بكثير من الحب. وكان يقول ان كل الاعمال الصالحة مجتمعة لا تساوي ذبيحة القداس، لانها أعمال البشر، بينما القداس هو عمل الله. وكان مقتنعاً بأن كل حرارة حياة الكاهن مرتبطة بالقداس؛ وان سبب اهمال الكاهن، يأتي من عدم انتباهه للقداس. يا للأسف! يا الهي! ان الكاهن لجدير بالشفقة عندما يقوم بذلك بطريقة عادية، وكان أخذ على نفسه عند احتفاله بالقداس، أن يقدم دائماً ذبيحة حياته بالذات. ان الكاهن ليفعل حسناً عندما يقدم ذاته لله ذبيحة كل صباح.

الكاهن المعرِّف وتعاطيه مع التائبين
هذا التماهي الشخصي بذبيحة الصليب كان يقوده تواً من المذبح الى كرسي الاعتراف. على الكهنة ألاّ يستسلموا أبداً عندما يرون الإعراض عن كراسي الاعتراف أو عندما يلمسون بأن المؤمنين ابتعدوا عن هذا السرّ. ففي زمن خوري أرس، في فرنسا، لم يكن الاعتراف أكثر سهولة وشيوعاً مما هو عليه اليوم، علماً أن اعصار الثورة كان قد خنق الممارسة الدينية منذ زمن. غير أنه اجتهد بكل الطرق، بالوعظ، محاولاً أن يُقنع بنصائحه ليعود أبناء رعيته فيكتشفوا معنى سرّ التوبة وجماله، مبيناً كيف أنه من مقتضيات الحضور الافحارستي. وهكذا عرف أن ينعش حلقة مترابطة. ومن خلال حضوره المتواصل والطويل في الكنيسة، قاد المؤمنين الى الاقتداء به والى زيارة يسوع. وكانوا متأكدين بأن خوريهم هنا، مستعدّ للاصغاء والغفران. وبعد مدة، ان تكاثر التائبين الوافدين اليه من كل انحاء فرنسا كان يُبقيه في كرسي الاعتراف ١٦ ساعة يومياً. وكان يقال عندئذ لقد أصبحت أرس مشفى النفوس الكبير. ان النعمة التي كان يحصل عليها لارتداد الخطأة كانت من القوة بمكان حتى أنها كانت تفتش عنهم ولا تتركهم يرتاحون، كما يقول مؤرخ حياته الأول. وهذا ما كان يفكر فيه الخوري القديس عندما كان يقول: ليس الخاطئ هو الذي يعود الى الله ليسأله الغفران، بل الله نفسه هو الذي يركض وراء الخاطئ ويُعيده اليه. هذا المخلص الصالح المليء بالحب الكبير لنا حتى أنه يبحث عنا في كل مكان.
علينا نحن الكهنة جميعاً أن ندرك بأن الكلمات التي كان يضعها على فم المسيح تعنينا شخصياً: اني اوكل الى خدامي أن يعلنوا بأنني مستعد دوماً أن أستقبلهم، وان رحمتي لا حدّ لها. ونستطيع نحن الكهنة أن نتعلم من خوري ارس القديس ليس فقط الثقة غير المحدودة  بسرّ التوبة فيدفعنا الى أن نضعه في قلب اهتماماتنا الراعوية، بل أيضاً نستمد منه منهجاً لحوار الخلاص الذي ينبع منه. كان لخوري أرس طريقة مختلفة للتعاطي مع التائبين على تنوعهم. فمن يتقدم من كرسي الاعتراف مدفوعاً بحاجة حميمة ومتواضعة الى غفران الله، كان يجد لديه التشجيع ليغطس في نهر الرحمة الالهية الذي يجرف كل شيء في مسراه. واذا كان أحد يغتم من ضعفه وتقلبه متخوفاً من السقطات الآتية، كان الخوري يكشف له سرّ الله بعبارة جميلة: ان الله الصالح يعرف كل شيء. انه يعرف مسبقاً انه بعد اعترافك ستخطأ من جديد؛ ومع ذلك فانه يغفر لك. با له من حب الهنا الذي يتناسى بارادته المستقبل لكي يغفر لنا! وبالعكس من كان يعترف بفتور وينوع من اللامبالاة، كان يقدم، بدموعه، البرهان عما يسبّبه من عذاب وخطورة هذا الموقف المستقبح. وكان يقول: ابكي لانك لا تبكي. لو لم يكن الله صالحاً، ولكنه كثير الصلاح! وهل على الانسان أن يكون قاسياً تجاه هذا الاب الصالح: كان يولّد التوبة في قلوب الفاترين، مرغماً اياهم على أن يروا بام العين ومتجسداً في وجه الكاهن الذي يسمع اعترافهم، عذاب الله من الخطايا. بالمقابل، اذا تقدم أحد وفيه رغبة في حياة روحية أعمق وكان قادراً على ذلك، كان يدخله في اعماق الحب، مبيناً الجمال الذي لا يوصف المتمثل في أن يعيش الانسان متحداً بالله وفي حضوره: كل شيء أمام الله، كل شيء مع الله، كل شيء يرضي الله! ما أجمل ذلك! لهؤلاء كان يعلمهم أن يصلّوا: "الهي امنحي النعمة لاحبك قدر استطاعتي ان أحب. ان خوري ارس في زمانه عرف أن يحوّل قلب الكثير من الناس وحياتهم، لانه نجح في أن يجعلهم يتنسمون حب الرب الحنان. ان زمننا الحاضر يحتاج هو ايضاً وبالحاح لتبشير مماثل ولشهادة مماثلة عن حقيقة الحب: الله محبة. بكلام يسوع واسراره كان يعرف جان ماري فياناي أن يبني شعبه، وان كان في أغلب الاحيان يرتعش أمام عدم أهليته الشخصية، حتى أنه رغب أكثر من مرة في أن يعفى من مسؤولياته كخادم رعية لانه غير أهل لها. ومع ذلك ، وبطاعة مثالية، بقي في مركزه لانه كان هائماً بالغيرة الرسولية وخلاص النفوس.

حياة الزهد
كان يجتهد بأن يلتصق كلياً بدعوته ورسالته من خلال التمرس بالزهد القاسي. ان مأساتنا الكبرى ككهنة، كما كان يردد بألم، ان نفسنا يحل بها الفتور. وكان يشير بقوله هذا الى الخطر الذي يهدّد الراعي الذي يتآلف وحالة الخطيئة أو اللامبالاة التي تحل بعدد كبير من خرافه. كان يسود على جسده بالسهر والصوم ليتحاشى مقاومة الجسد لنفسه الكهنوتية. ولم يتردد من أن يفرض على ذاته الاماتات لخير النفوس الموكولة اليه، ولكي يكفر عن كثير من الخطايا التي سمعها بالاعتراف. وكان يشرح لكاهن زميل له "سأعطيك وصفتي: اعطيهم كفارة صغيرة واقوم بالباقي عوضاً عنهم". أبعد من الكفارات الفعلية التي كان يقوم بها الخوري أرس، فان جوهر تعليمه لا يزال صالحاً للجميع. ان يسوع يهرق دمه عن النفوس، ولا يستطيع الكاهن أن يتكرس لخلاصها اذا رفض أن يشارك شخصياً في ثمن الفداء هذا المرتفع.
في عالم اليوم، كما في أيام خوري أرس الصعبة، على الكهنة أن يتميزوا بقوة شهادتهم الانجيلية، في حياتهم وفي نشاطهم. وكان البابا بولس السادس يلاحظ بدقة أن الانسان المعاصر يُصغي بطيبة خاطر الى الشهود أكثر منه الى المعلمين؛ او اذا كان يصغي الى المعلمين، فلأنهم شهود.

مكانة كلمة الله
لتحاشي أن يتكون فراغ وجودي، وكيلا نعرّض فاعلية خدمتنا، علينا أن نتساءل دوماً وكل مرة: هل نحن مرتوون من كلمة الله؟ هل هي حقاً الغذاء الذي يقوتنا، أكثر من الخبز وأمور الدنيا؟ هل نعرفها حقاً؟ هل نحبها؟ داخلياً، هل نهتم بهذه الكلمة حتى أنها تقولب حقاً حياتنا وتنفح تفكيرنا؟ تماماً كما دعا يسوع الاثني عشر ليقيموا معه، وبعد ذلك ارسلهم يبشرون، كذلك يُدعى الكهنة في أيامنا الى تبني هذا النمط من الحياة الذي بدأه الرب يسوع فاصبح نمط الرسل أنفسهم. هذا هو الالتزام دون تحفظ بنمط الحياة الجديد الذي امتاز به خوري ارس في خدمته.

دور المشورات الانجيلية في حياة الكاهن
يوحنا الثالث والعشرون في رسالته (أولويات كهنوتنا) الصادرة سنة ١٩٥٩ في مناسبة الذكرى المئوية الاولى لوفاة القديس جان ماري فياناي، رسم صورته الزاهدة من خلال المشورات الانجيلية الثلاثة التي رآها ضرورية أيضاً للكهنة: اذا كان لبلوغ قداسة الحياة هذه، لم تفرض ممارسة المشورات الانجيلية على الكاهن لوضعه الاكليريكي، انها مع ذلك تعرض عليه، كما على جميع تلاميذ الرب، كالطريق الملوكي للقداسة المسيحية. ان خوري ارس عرف أن يعيش المشورات الانجيلية وفقاً لظروف حياته ككاهن. ففقره لم يكن فقر راهب أو مكرّس، بل الفقر المطلوب من الكاهن: مع أنه كان يدبر مبالغ كبيرة من المال (لأن الزوّار الاكثر ثراء اهتموا بأعماله الخيرية)، عرف أن كل ذلك أعطي للكنيسة، للفقراء، لليتامى ولأبناء "العناية" التي انشأ، وللعائلات الاكثر عوزاً. كان اذاً غنياً ليعطي الآخرين، وفقيراً جداً لذاته. كان يشرح: "سرّي بسيط جداً، ان أعطي كل شيء وألا أحتفظ بشيء". وعندما لم يكن لديه شيء، كان يقول للفقراء الذين يتوجهون اليه: "أنا فقير مثلكم، أنا اليوم واحد منكم". وهكذا استطاع في آخر حياته أن يؤكد بصفاء تام: "لم يعد لدي شيء، فالله الصالح يستطيع أن يدعوني ساعة يشاء". وعفته أيضاً كانت العفة المطلوبة من كل كاهن لخدمته. ويمكن القول انها العفة الضرورية لمن عليه أن يلمس الافخارستيا دوماً، وان يتأملها بكل حرارة قلبه ويعطيها للمؤمنين بالحرارة نفسها. وكان يقال فيه ان العفة تشع في نظره. وكان المؤمنون يلحظون ذلك عندما يتوجه بنظره الى بيت القربان وكأنه عاشق. وكذلك ان طاعة القديس جان ماري فياناي تجسدت كلياً في اعتناقه كل الآلام المرتبطة بمقتضيات خدمته اليومية. اننا نعرف كم كان يتعذب لتفكيره انه غير مؤهل للخدمة الرعوية، ولرغبته في الهرب منها ليبكي في العزلة حياته الشقية. الطاعة وحدها وعشقه للنفوس تمكنا من اقناعه ليبقى في مركزه.

طريقة واحدة للخدمة
كان يبيّن لمؤمنيه كما لنفسه بأن ليس هناك طريقتان صالحتان لخدمة الرب، بل طريقة واحدة، وهي أن نخدمه كما يريد أن يُخدم. كان يبدو له بأن القاعدة الذهبية لحياة الطاعة هي هذه: "لا نعمل إلاّ ما نستطيع تقديمه لله".

دعوة البابا الى الكهنة: تنسّم عمل الروح والمشاركة مع العلمانيين
في اطار روحانية تغذيها ممارسة المشورات الانجيلية، اني ادعو الكهنة، في هذه السنة المكرسة لهم دعوة قلبية وهي أن يعرفوا استقبال الربيع الجديد الذي يوقظه الروح القدس في الكنيسة في أيامنا هذه؛ خاصة بفضل الحركات الكنسية والجماعات الجديدة. ان الروح يعطي بأشكال متنوعة. يهبّ حيث يشاء، وبطريقة غير منتظرة وفي اماكن لا نتوقعها وباشكال لا يمكن تصورها مسبقاً. يُظهر لنا ايضاً بأنه يعمل للجسد الواحد لوحدة الجسد الواحد. ما يقوله المرسوم في حياة الكهنة له وقعه اليوم: ان الكهنة اذ يمتحنون الارواح ليميزوا اذا كانت من الله يعملون، بحس الايمان، على اكتشاف مواهب العلمانيين المتعددة الاشكال؛ لا فرق ان كانت سامية أم وضيعة، ويعترفون بها فرحين وينمّونها بغيرة وسرعة. هذه المواهب نفسها التي تدفع كثيرين لحياة روحية سامية، وتفيد ليس فقط المؤمنين العلمانيين بل الخدّام أنفسهم. ومن الاتحاد بين الخَدَمَة المرسومين والمواهب ينطلق انطلاقة مميزة التزام متجدد من قبل الكنيسة في خدمة التبشير والشهادة الانجيلية عن الرجاء والمحبة في العالم كله. وأريد أن أزيد في خط الارشاد الرسولي أعطيكم رعاة ليوحنا بولس الثاني ان الخدمة النابعة من الرسامة لها شكل جماعي جذري ولا يمكن القيام بها إلاّ باتحاد الكهنة باسقفهم. ان شراكة الكهنة فيما بينهم ومع أسقفهم المتجذرة في سرّ الكهنوت والظاهرة في الاحتفال معاً بالافخارستيا يجب أن يعبّر عنها باشكال واقعية من الاخوّة الفاعلة والمحبّة. وهكذا فقط يستطيع الكهنة أن يعيشوا ملء عطية العزوبة ويصبح بامكانهم تنمية الجماعات المسيحية التي فيها تتجدد آيات التبشير الاول للانجيل. ان السنة البولسية التي تشارف على النهاية تدعونا الى التأمل ايضاً في صورة رسول الامم التي فيها يشع نموذج رائع عن الكاهن الذي يُنفق ذاته في خدمته. لقد كتب: "ان محبة المسيح تضطرنا. فان كان واحد مات عن الجميع، فالجميع اذاً قد ماتوا". وزاد:" لقد مات عن الجميع كيلا يحيا الاحياء من بعد لنفوسهم بل لمن مات وقام من أجلهم". وأي برنامج افضل يمكن أن يُعرض على الكاهن الذي يجتهد ليتقدم على طريق الكمال المسيحي؟

خوري آرس والعذراء
أيها الكهنة الاعزاء، ان الاحتفال بمرور ١٥٠ سنة على موت القديس جان ماري فياناي (١٨٥٩)
يأتي مباشرة بعد نهاية الاحتفالات لظهورات لورد منذ ١٥٠ سنة (١٨٥٩).
منذ سنة ١٩٥٩ لاحظ الطوباوي يوحنا الثالث والعشرون: قبيل أن ينهي خوري أرس حياته الملأى بالمآثر، كانت العذارء البريئة من الدنس قد ظهرت في منطقة أخرى من فرنسا لابنة وضيعة وطاهرة لتنقل اليها رسالة صلاة وتوبة، كان لها صدى روحي واسع منذ قرن. حقاً ان وجود الكاهن القديس الذي نحتفل بذكراه كان مسبقاً صورة معبرة عن الحقائق الكبرى الفائقة الطبيعة التي لُقّنتْ لرائية ماسابيال. وكان له هو نفسه اكرام كبير ومميز للعذارء مريم البريئة من الدنس اذ كرّس رعيته لمريم التي حبل بها بلا دنس سنة ١٨٣٦. ولقد اقتبل بكثير من الايمان والفرح تحديد العقيدة سنة ١٨٥٤. وكان القديس يذكّر دوماً مؤمنيه بأن يسوع المسيح، بعد أن أعطانا كل ما يستطيع أن يعطينا، يريد أن يجعلنا ورثة لما هو الاثمن أي امّه القديسة. اني اكل الى العذراء هذه السنة الكهنوتية، سائلاً اياها أن توقظ في نفس كل كاهن تجدداً سخياً لمُثل عطاء الذات الكامل للمسيح وللكنيسة، هذه المُثُل التي نفحت فكر خوري ارس وعمله. ان حياة الصلاة الحارة والحب المتيّم ليسوع المصلوب غذّت العطاء اليومي الكامل ودون حدود لله وللكنيسة. عسى أن يوقظ مَثَلُه لدى الكهنة شهادة الوحدة مع الاسقف وفيما بينهم ومع العلمانيين، التي هي ضرورية اليوم وفي كل زمان. وبالرغم من الشرّ في العالم ان كلام المسيح لرسله في العلية يرن بقوة راهناً: في العالم ستتألمون. ولكن تشجعوا! أنا غلبت العالم.

خاتمة
ان الايمان بالمعلم الالهي يعطينا القوة لنتطلع بثقة الى المستقبل. أيها الكهنة الاعزاء، ان المسيح يتكل عليكم. وعلى مثال خوري أرس القديس أتركوه يستولي عليكم، فتصبحوا أنتم ايضاً في عالم اليوم رسل رجاء ومصالحة وسلام.

                            ١٨ حزيران ٢٠٠٩ 

 عودة الى أعلى الصفحة
 صلاة البدء
 
 
 
 
 
 
 
  حلقات الحوار
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عودة الى أعلى الصفحة