| القريب والعلاقة الاجتماعية في مثل السامري الصالح ( لو ١٠/ ٢٥-٣٧) إن المثل يحمل عادة خطاباً غير مألوف ويقال غالباً في زمن أزمات معينّة، إذ كيف نفهم مثلاً مثل وليمة الملك أو مثل العريس الذي يغلق الباب عند حضوره أو مثل العذارى العشر. كلها أمثلة لا تتطابق مع الفهم العام للأشياء، ولذلك يحدث المثل بغرابة خطابه تحولاً في الأحداث أو المنسبات التي يقال فيها. والمثل هو أيضاً رواية تهدف في النهاية إلى تحويل مجرى الأحداث والتاريخ باتجاه غاية أساسية، غالباً ما يعبّر عنها الإنجيل بملكوت الله. هذا الأمر ينطبق على مثل السامري الصالح الذي افتتح بسؤال من معلم الشريعة: "كيف أرث الحياة الأبدية؟". فإذا بيسوع يحيله إلى الناموس ويسأله كيف "تقرأ" ما هو مكتوب؟ والواضح من كلام يسوع أن المقصود هو تفسير ما كتب، إذاً القضية قضية فهم وتطبيق، بحسب ما سينتهي المثل. والناموسي يجيب: حب الله وحب القريب بالتساوي هما الطريق إلى الحياة الأبدية. لكن ما بقي عالقاً في الجواب كيف يقرأ ربط هاتين الوصيتين بعضهما ببعض، مع العلم أن نص الشريعة في سفر التثنية لا يأتي على حب القريب مباشرة في كلامه على وصية حب الله. فالنص الإنجيلي يقوم بدمج الوصيتين بإدخال الوصية الجديدة أي المحبة كجزء لا يتجزأ من الوصية الأولى. وهذا يحدث انقلاباً، إذ يجعل من حب القريب وصية توازي في أهميتها الوصية الأولى. فالمسيح يجعل تفسير كل جهة من الوصية يحدث في ضوء الأخرى. وهذا ما أثار اعتراض معلّم الناموس بسؤاله عن القريب. ويأتي جواب يسوع في إطار حدث خربطة اجتماعية في إطار أزمة وهي التعرض للرجل النازل من أورشليم إلى أريحا. فكأن الوصيتان لا تفهمان وتطبقان إلاّ في قلب أحداث مشابهة، تأخذ طابع أزمات. فمحبة لله ومحبة القريب لا تظهران على حقيقتهما إلاّ عند طلب الشهادة لهما في زمن غير عادي، هو زمن خربطة. والمحبة تظهر على أنها مقاومة انحراف التاريخ عن خط صعوده باتجاه الملء، بهذا هي فعل يعيد ترتيب النظام في قلب التاريخ المبعثر ويحوله عن مساره إلى الاتجاه الذي عليه السير نحوه. المحبة تزيل العبث من التاريخ. هذه الجدلية لا تفهم في مثل السامري الصالح إلا في الجواب على سؤال: من هو القريب؟ الذي هو في نظر يسوع من يصنع الرحمة للآخر. وجواب يسوع يحمل طابعاً خاصاً إذ ينفي عن القريب أي تحديد اجتماعي خاضع لمنطق العلاقة الاجتماعية، التي تقوم في العادة على أساس تصنيف للإنسان بأنه كذا وكذا...، حتى يتمكن المرء من تبرير علاقته به. وفي العادة يقوم التصنيف للآخر على أساس ما هو عليه لا على ما هو، أي إنه إنسان وكفى. وفي المثل يوضّح يسوع هذا المعنى للعلاقة الاجتماعية عندما يضع سلوك السامري في مقابل سلوك الكاهن واللاوي، اللذان ظلا رهن العلاقة الاجتماعية، التي في موقعهما في قلب المؤسسة الدينية، تفرضها هذه المؤسّسة. فالكاهن واللاوي لم يقربا الرجل لأنّهما من طبقة اجتماعية لا تسمح لهما بذلك ويخضعان لضوابط سلوكية تفرضها المهنة. وربما الأبرز في سلوكهما عدم تمكنهما من رؤية الظلم الواقع على الرجل، لأنّهما شريكين في العنف الاجتماعي من خلال دورهما في تقدمة الأضاحي والذبائح؛ فهما يقومان بفعل عنفي ويشاركان في ترسيخ العنف الاجتماعي. وما قاما به هو مثل عيني لما يقوم به الإنسان بشكل عام عندما يربط علاقته بالآخر على أساس ما تفرضه العلاقة الاجتماعية من تصنيف وضوابط. وهذا ما يبرز اليوم في إطار الفهم المتداول للمؤسسة بشكلٍ عام، إذ غدت الحياة البيروقراطية، وهي نتيجة العقل الوسائلي الذي يركّز على نجاحاته أكثر من نتائجها على الحياة الإنسانية، حاجزاً في العلاقة بين الناس، لأنها تصنفهم على أساس الفعالية والكفاءة، وهذا يسبب في الكثير من الأحيان ظهور التنافس وكأنه إلغاء للآخر بالتفوق عليه، وتنسى العلاقة النديّة لتحل محلها علاقة إلغائية. وكان رينيه جيرار علّل هذه القضية مفسّراً العنف المجتمعي بأنه نتيجة طبيعة للمحاكاة (imitation)، معتبراً أنه متى توقدت المحاكاة أدت إلى فعل عنفي. وهذا مركّب خطر لأنه وإن كانت المؤسّسة تقوم بعمل كبير، وهي أنشأت أصلاً من أجل العدالة والخير وتكريس ما يجمع الناس فيما بينها من أشياء مشتركة وحاجات، قد تتحول إلى عامل خطر عندما توجه الإنسان ليجعل منها غاية في ذاتها، فتطيح بذلك الغاية التي من أجلها أُقيمَت وهي ترسيخ العدالة وتحقيق الخير. هكذا إذا لم تكن العدالة محرّك النظام والنظام هو إطار فعلي لظهور العدالة فستتحوّل المؤسسة إلى أداة نفي للإنسان. وهذا ما حدث مع اللاوي والكاهن، إذ أصبحت المؤسّسة هي الغاية لديهما والعدالة نسبية بحسب ما تحدّدها المؤسّسة، هكذا تصبح المؤسّسة أداة للشرّ والظلم. مما تقدّم أصبح واضحاً ربط يسوع بين القريب وسلوك السامري، ليعبّر بذلك عن أن "القريب" هو اللقاء من دون وساطة وهو فعل تجاه الآخر بما أنه آخر بعض النظر عن موقعه أو هويته الاجتماعية. بهذا المعنى يرفع يسوع القريب إلى مستوى نقد لأساس العلاقة الاجتماعية والسلوك الناتج عنها. وهذا النقد يجد أساسه في الاستعداد من أجل عمل الرحمة في مثل السامري، ولذلك فهو يتخطى العلاقة الاجتماعية التي تكتكرها المؤسّسة في الكثير من الأحيان، سواء كانت هذه المؤسسة العائلة أو التقليد الاجتماعي أو الدولة، إذ دورها في تنظيم العلاقة بين البشر يجعلها تجبر المجتمع على التوجه بحسب سلوك نمطي. من أولى علامات النقد هي أنّ القريب لا تحديد له، لأنه وجه ينادي إلى المسؤولية. هو لقاء يجمع بالآخر خارج إطار العلاقة الاجتماعية وحدود المؤسّسة وقوانينها. هذا المعنى أظهر سلوك السامري عندما مرّ بالرجل المرمي على، فهو لم يتصرف بحسب ما تمليه شروط العلاقة الاجتماعية في مكان ليس أرضاً للسامريين، السامري لأنه حرّ تجاه العلاقة الاجتماعية، كان مستعداً أن يغيّر طريقه وأن يقوم بما هو غير مفكّر فيه. فهو يلتقي الآخر لأنه منفتح على العلاقة ويتعاطف معه. فاستعداد السامري من خلال تعاطفه مع الرجل بشكل تلقائي، يوضّح لنا الطريق إلى المعنى الثاني للنقد. إن السامري لم يمّر بالرجل كما فعل الكاهن واللاوي، بل توقف. والتوقف يظهر طبيعة استعداد السامري، فمن يتوقف يعبّر عن أنه مبالٍ لوضع الآخر، لا يقوم بموقف حشري. والمبالاة تشير إلى محرك داخلي عميق أساسه حضور الآخر في الذات والشعور به. وهذا معناه أن حضور الآخر وتأثيره يوسّعان حدود الذات حتى تتسع لما هو جديد، وهذا نتيجته طبعاً إخراج الذات من حدودها وحدود العلاقة الاجتماعية إلى رحاب الإنسانية. وهذا الخروج لا يمكن أن يبقى شعوراً عابراً أو وقفة تأملية بحال الآخر، بل يحمل على الفعل، كي لا يبقى التعاطف مع الآخر مجرد مشاعر عابرة. إذاً حضور الآخر وتأثيره على الذات بتوسيع حدودها يجعل من الآخر وصية ملزمة للذات يكون التعبير عنها بهبة الذّات المجانية للآخر. بهذا يحضر المعنى الثالث للنقد، فالفعل الذي قام به السامري ردّ العلاقة الاجتماعية إلى مصدرها الأصيل وهي العلاقة، علاقة الإنسان بالإنسان على أساس التساوي وهو مبدأ العدالة في المجتمع، إذ لا توجد عدالة إذا لم يظهر الآخر على مستوى الذات أنه مساوٍ لها. على هذا تنعقد الرابطة الاجتماعية وتقوم المؤسسة، على أنهما في خدمة الإنسان على أنه مساوٍ لكل إنسان. هذه القاعدة هي التي تكون مفهوم العدالة، لأن العدالة ليست قضية مقايس، بل قناعة ترى في الآخر مساوٍ للذات. هذه المعاني الثلاثة للقريب باعتبارها نقداً للرابطة الاجتماعية تضعنا أمام الجواب على سؤال معلم الشريعة من هو قريبي؟ القريب في نظر يسوع هي الطريقة الشخصيّة التي ألتقي بها الآخر بعيداً عن أي وساطة اجتماعية، إذاً هي العلاقة التي تكتمل بفعلٍ مزدوج، بحسب المثل الإنجيلي، تجاه حال الآخر وبالأكثر تجاه الآخر. وهذا ينطبق أيضاً على المؤسّسة، حتى تكون فعلاً متناغمة مع غايتها الأساسية وهي العدالة. في النهاية القريب هو حضور يمسّني ويناديني إلى واجبي ويحكم عليّ. الخوري باسم الراعي |






