(١٨٨٣ – ١٨٩٠)
سيرة حياته :
هو داود بن جبرائيل ابن الخورب بطرس رزق الله الزغبي. ولد في قرنة شهوان، في أوائل شهر آب ١٨٣٨.
بعد تحصيل الدروس الابتدائيّة، في مدرسة قريته، سعى والده فأدخله الى مدرسة الآباء اليسوعيّين في غزير، بعناية المطران يوسف جعجع راعي أبرشيّة قبرس، آنذاك.
رسمه البطريرك يوحنّا الحاج كاهناً، في كنيسة سيّدة الحقلة، في ٣١/٧/١٨٦٨، ودُعي بإسم "يوسف".
إستدعاه رؤساء الرهبانيّة الأنطونيّة لتثقيف المبتدئين في دير مار يوحنّا القلعة – بيت مري، فدرّسهم السريانيّة والعربيّة.
لبّى دعوة الأمير أمين منصور أبي اللمع، في برمّانا، الّذي سلّم إليه مهمّات داره الروحيّة والزمنيّة، وتهذيب بنيه والاعتناء بتربيتهم وتعليمهم.
إستلم إدارة مدرسة الرهبانيّة اللبنانيّة، في المتين، عام ١٨٧٠، فنظّم أحوالها ودرّس فيها البيان.
سافر إلى فرنسا سنة ١٨٧٣، فأقام في أحد مدارس باريس الشهيرة مدّة. ومنها توجّه الى إنكلترا حيث درس اللغة الإنكليزيّة. وعاد، بعد سنتين، إلى كلّية مدينة ليل، شمالي فرنسا، يعلّم السريانيّة والعربيّة، ويتضلّع من العلوم العاليّة، حتّى ذاع صيته، وكتبت عنه الجرائد الفرنسيّة، وعُدّ من أعظم الأساتذة. ثم شرع يؤلّف كتاباً في الفلسفة العقليّة، في اللغة العربيّة، إشتمل على زهاء ألفي صفحة، لا يزال محفوظاً في مكتبة المطرانيّة، في قرنة شهوان، إذ لم يتسنّ له أن ينشره بالطباعة.
إنتقل من مدينة ليل إلى بلجيكا، ثمّ عاد إلى فرنسا حيث جُعِل نائباً أسقفياً للموارنة، هناك انتخب عام ١٨٨٣، ليكون مطراناً على أبرشيّة قبرس، خلفاً للطيّب الذكر المطران يوسف جعجع، فاستدعاه البطريرك بولس مسعد، ورقّاه إلى الأسقفيّة، في كنيسة الكرسيّ البطريركيّ، في الديمان، في ٥ /٨ /١٨٨٣.
صبّ أولى اهتماماته على التربيّة والتعليم، واهتمّ بتحسين أوقاف الكرسيّ في بحردق وقرنة شهوان والكنيّسة وزكريت، وزار رعاياه متفقّداً إيّاها، لا سيّما موارنة جزيرة قبرس الذين زارهم مرّتين: ١٨٨٥ و١٨٨٩.
سافر إلى روما مع الوفد المارونيّ، عام ١٨٨٧، لتهنئة البابا لاون ١٣ بيوبيله الكهنوتيّ.
أنعمت عليه الحكومة الفرنسيّة بوسام جوقة الشرف من رتبة chevalier الأولى، على يدّ قنصلها العام في بيروت السيّد بتريمونيو. كما أهدته جرساً كبيراً، هو الأكبر في لبنان، فأوكَلَ الى المعلّم أسعد بدران بناء القبّة المعروفة، على سطح المطرانيّة في قرنة شهوان، ثبّت في أعلاها ساعةً كبيرةً دقّاقة.
إستدعى يوماً، رئيس دير الآباء اليسوعييّن، في بكفيّا، لإلقاء مواعظ الرياضة الروحيّة لتلامذة المدرسة، في قرنة شهوان. وحَضَرَ هو شخصياً، افتتاح هذه الرياضة، يوم الثلثاء في ١٦ /١٢ /١٨٩٠ وسمع مواعظها. وفي الصباح اليوم التالي شعر عند نهوضه، بانقباض في الجسم، وضيقٍ في التنفّس، فعاد الى سريره، وما لبث أن انتقل الى ربّه، فقُرعت الأجراس حزناً، وتقاطرت الجموع لوداع الراعي، والأب الحنون.
أقيم له مأتمٌ مهيب، حضره القنصل الفرنسي وقائمقام المتن ومدير القاطع، وغيرهم من الرسمييّن، إلى جانب الأساقفة ونوّابهم، ورؤساء الرهبانيّات والأديرة، وكثيرون من الإكليروس والشعب.
كان وديعاً، متواضعاً، عالماً، حكيماً، مسموع الكلمة، كثير الإعتبار عند أولياء الأمور، في قبرص ولبنان وروما وفرنسا. وصفه الأباتي جبرائيل القرداحي الحلبيّ الماروني، بقوله فيه: "رجلٌ معتدل القامة، ضخم الجسم، أسمر اللون، مدوّر الوجه، لطيف الحاجبين، فيه ضربٌ من الميل في الجهة اليمنى، ضحوكٌ ذو فكاهة، عالمٌ متوسّط في الإلهيات، ذو معرفة كافية في بعض اللغات الأوروبيّة كاللاتينيّة والفرنسيّة ... مائلٌ الى السلم...". وشوهد مراراً وهو يقوم، شخصياً، بخدمة المرضى ومؤاساة الأيتام والحزانى والبائسين.
رُوي عنه هذا الحادث إظهاراً لكرمه وعطفه على الفقير، وشهامة أخلاقه:
غَضِب، مرّة، على الخوري يوسف غبريل، من بيت شباب، لأنّه لبس جبّته السوداء فوق غنباز أبيض، في أحد المآتم. ولمّا عرف المطران أنّه لم يكن لدى الخوري يوسف غنبازٌ غيره، دعاه الى قرنة شهوان، وأعطاه غنبازين من غنابيزه السود، وجبّتين، وليرتين فرنساويّ ذهب، معاش شهر، وليرة فرنساوي، حسنة قدّاسات، وقال له: "تعال في أوّل كلّ شهر، وخذ ذات القيمة معاشاً وقدّاسات".
الخوري جان الرامي، مئة وعشرون عاماً من تاريخ مدرسة القديس يوسف في قرنة شهوان (١٨٤٤ - ٢٠٠٤)، ٢٠٠٤ ص ٢٣

