الصفحة الرئيسية > المجمع الأبرشي > الدورة الثانية من المجمع الأبرشي ٢٠٠٨ > كلمة الأمين العام للمجمع الأبرشيّ الخوري روكز البراك  

بحث



كلمة الأمين العام للمجمع الأبرشيّ الخوري روكز البراك

كلمة الأمين العام للمجمع الأبرشيّ
الخوري روكز البرّاك الجزيل الاحترام

صاحب السيادة، حضرة النائب الأسقفيّ العامّ، حضرات النوّاب الخاصّين، آبائي الأجلاّء، أخواتي الراهبات، إخوتي الرهبان، أيّها الحفلُ الكريم.
في شهر تشرين الأوّل من سنة 2007، ألقى صاحب السيادة المطران يوسف بشارة السامي الاحترام على عاتقي عبء مسؤوليّة الأمين العامّ للمجمع الأبرشيّ، بعد أن قدّم الخوري ناصر الجميّل استقالتَه، فرأيتُ نفسي كسمعانَ القيرواني الذي أتَوا به ليحملَ الصليب، على ما ورَد في الإنجيل بحسب القدّيس لوقا: “وجاؤوا به ليحملَ الصليب، خلفَ يسوع، وكان يتبعُه جمعٌ كثير“ (لوقا 23/26).
ولكن، لأنّني عملتُ سابقًا مَعَ الخوري ناصر، خطوةً خطوة، في الأمانة العامّة للمجمع الأبرشيّ، كنت واعيًا كلَّ الوعي على أنّ العمل الكنسيّ يفوقُ كلَّ الاعتباراتِ الشخصيّة. حمَلتُ المسؤوليّة، وأكملتُ المسيرة، علّها توصِلُنا جميعًا إلى غدٍ مُشرق، يجعلُ من أبرشيّتِنا مثالاً يُحتذى به، في تطبيقِ توصياتِ المجمعِ البطريركيّ، والسعي إلى عيشِها، في كلِّ المجالاتِ الروحيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة والرعويّة.
لذا، بدايةً، إسمحوا لي أن أتوجّهَ بالشكرِ العميق والحبِّ الصادق إلى صاحبِ الوجهِ المشرِق والحنون والمُحبّ، أخي الخوري ناصر الجميّل الذي كان ليَ المثالَ في التضحية، من خلال عملِنا معًا، والمثالَ في التخلّي، من خلال إفساحِه المجالَ لي، لأعملَ بحريّة، في سبيلِ نجاحِ مجمعِنا الأبرشيّ.
كان لا بدّ، في بدايةِ الطريق، من تطعيمِ الأمانة العامّة، بإضافة أعضاء جُدد إليها، فانضمّ كلٌّ من: الخوري ناهد تادروس، والطالب الإكليريكيّ ربيع تحومي، والسيّد عصام عقيقي، والسيّدة ميشلين عنيسي، والآنسات: مي بشّور وفلافيا أبو جودة وليال غصوب. هؤلاء دخلوا في جوّ المجمع، بسرعةٍ فائقة، وعمِلوا معَ الأعضاءِ السابقين الذين ثبَتوا في الأمانة العامّة، وأودّ أن أنوّه بهم، وهم: الأب جوزف عبد الساتر الأنطونيّ صاحبُ الشخصيّةِ الفذّة، والأخت يولا نصر ذات الحضورِ المصلّي، والرئيس روبير فرحات صاحبُ الحكمِ الصائب، والسيّدة جيهان القاصوف رشيد صاحبةُ الدفاع الرصين، إضافةً إلى الجنديّ المجهول الخوري جان الرامي الذي كان يساعدنا على قَدْرِ طاقتِه ووقتِه.
فشكّلنا مع بعضِنا أمانةً عامّة، واظبْنا فيها على الالتزام بالاجتماعات التي بلَغَ عددها المئة، منذ تأسيس هذه الأمانة، إلى اليوم. تراوحَت مدّةُ كلِّ اجتماع، بين ساعةٍ ونصف وساعتين. ونحن، في كلٍّ منها، كنّا نقرأ ونطالع، نحلِّل ونناقش، لنتّخذَ القراراتِ بالإجماع والتوافق.
بدأنا العمل، أوّلاً، على نتائج الدورة الأولى للمجمع الأبرشيّ، التي عُقدَت في 17 حزيران 2007، فقرَّ الرأي، بعد المناقشة، على أن تُعتمد، فقط، الاقتراحاتُ التي يتوافرُ فيها المقياسان التاليان:
- موافقةُ المشارِكين عليها بالإجماع أو بشبهِ الإجماع.
- إمكانيّةُ التطبيق، إنطلاقًا من واقعِ الأبرشيّة وحاجاتِها.
وفي العاشرة من صباح يوم الثلاثاء الواقع فيه 22 كانون الثاني 2008 ، كان للأمانةِ العامّةِ لقاءٌ مع صاحبِ السيادة، في مكتبِه، حيث قدّمَت له، رسميًّا، نتيجةَ التصويتِ على اقتراحاتِ نصوصِ الدورةِ الأولى. وتمَّ تحديدُ مضمونِ الدورةِ الثانية، إنسجامًا مع رسالةِ غبطةِ أبينا السيّدِ البطريرك مار نَصرالله بطرس صفير الكليِّ الطوبى، وقد أذاعَها في 8 تشرين الأوّل 2007، طالبًا أن يركَّزَ العمل، هذه السنة، على الملفِّ الثاني من نصوصِ المجمعِ البطريركيّ، الذي يتناول التجدّدَ الراعويَّ والروحيّ، على مستوى الهيكليّاتِ الكنسيّة، وعلى مستوى الأشخاص. كما اعتُمدَ هذا الملفّ، نظَرًا لأهميّتِه، إذ يدورُ الكلام فيه على تجدُّدِ الأشخاص الذين يُديرون هذه الهيكليّات ويُشرفون عليها، من جهة، ولأنّ هؤلاءِ الأشخاص، من جهةٍ ثانية، إذا ما أخضعوا ذواتهم وأعمالَهم لتوجيهاتِ الروح القدس، تمكّنوا من أن يعكسوا وجهَ المسيح، ويكونوا له خدّامًا صالحين، في بنيانِ الكنيسة. ولقد جهدَت الأمانةُ العامّة في قراءةِ النصوصِ الثمانية ودرسِها، وهي التالية:
البطريركيّة والأبرشيّة والرعيّة. (النصّ الخامس) - البطريرك والأساقفة. (النصّ السادس) - الكهنة والشمامسة. (النصّ السابع) - الحياة الرهبانيّة. (النصّ الثامن) - العلمانيّون. (النصّ التاسع) - العائلة المارونيّة. (النصّ العاشر) - الشبيبة. (النصّ الحادي عشر) - الكنيسة المارونيّة والأرض. (النصّ الثالث والعشرون).
ثمّ عادَت الأمانةُ العامّة إلى “دليل الاقتراحات وآليّات التنفيذ“ الذي شاركَت في دراسته 39 رعيّة، من رعايانا، وبدأت بتحليل أجوبةِ النصوص المذكورة، تحضيرًا للدورةِ الثانية.
ولأنّ المجمع هو دعوةٌ مستمرّة للعمل معًا، رأتِ الأمانةُ العامّة أن تدعو جميعَ الرعايا، من جديد، خصوصًا بعد صدور نصوص المجمع البطريركيّ، إلى خطّة عملٍ تدفع المؤمنين إلى المشاركةِ الفعّالة في المجمعِ الأبرشيّ، فأصدرَت مطويّةً حدّدَت بموجبِها النصوص، ودعَت إلى قراءتها، بُغيةَ الإسهامِ في نشر فِكرِ الكنيسة، وأوصَت بالتفكيرِ العميق، من خلال الرجوعِ إلى البُعدِ التاريخيّ، وقراءةِ الواقع، والنظرِ إلى المستقبل. وحثَّت الأمانةُ الرعايا والجمعيّات على الصلاةِ والتأمّل، ليلهمَنا الله، جميعًا، إلى ما فيه خيرُ كنيستِه، وطلبَت، من جديد، أن يشاركَ المؤمنون، من خلالِ إبداء رأيِهم في الاقتراحات وآليّات التنفيذ المدرَجة في ختامِ كلِّ نصّ. وتسهيلاً للعمل، جمعَتِ الأمانةُ العامّة كلَّ الاقتراحاتِ وآليّاتِ التنفيذ في كتاب، قدّمَته، من جديد، إلى كهنةِ الرعايا، على أن يقدّموا الأجوبة في شهر نيسان 2008. فقدَّمت 45 رعيّة الأجوبة إلى الأمانة العامّة. وتجدر الإشارة إلى أنّ عدد الرعايا التي شاركَت في الإجابة إرتفع من 39 رعيّة في الدورة الأولى إلى 59 في الدورة الثانية، أي بنسبة عالية تشكل70٪. فيكون قد انضمّ إلى العمل 20 رعيّة. هذا، وأودّ أن أنوّه بأنّ عدد الرعايا التي شاركَت في دليل الاقتراحات وآليّات التنفيذ، ثمّ عادَت فشاركَت، من جديد، في الكتاب الذي وُزِّع، يبلغ 30 رعيّة. وفي هذا دليلٌ على أن اللهَ يعملُ في كنيستِه، وأنّ رعايانا أدركَت أهميّةَ هذا الحدثِ الكنسيِّ الفريد. وفي سبيلِ إنعاشِ الرعايا، حاولتِ الأمانةُ العامّة أن تتّصلَ مباشرةً بالكهنة والجمعيّات والمؤسّسات، ولا سيّما الرعايا التي لم تشاركْ في الدورة الأولى. وكان ذلك من خلال تنظيم محاضراتٍ ولقاءاتٍ واتّصالاتٍ فرديّةً ومباشرة، وعيًا من الأمانة أنّ نجاحَ المجمع يكمُن في مشاركةِ كلّ رعايا الأبرشيّة. واسمحوا لي أن أوجِّهَ كلمةَ شكرٍ وتقديرٍ واحترام، إلى الجسم الكهنوتيّ، في أبرشيّتِنا، على التضحياتِ والسهر، والمواكبةِ والملاحقة، من خلال دفع أبناء الرعايا إلى القراءةِ والتفكير، والتحليلِ والمشاركةِ والصلاة. نحن، يا أحبّائي، محظوظون بكهنةٍ أتقياءَ غيورين على الكنيسة، وذلك يعود إلى راعينا الذي يحثُّنا على حبِّ كنيسةِ الله عروسةِ المسيح، ويعيش أمامَنا التضحية والمحبّة لها، من دون حدود. ولأنّ السّيدَ المسيح يتّكلُ علينا “لنكونَ نورَ العالم والخميرةَ الصالحةَ فيه“ بحسبِ قولِ صاحبِ الغبطةِ والنيافة، في رسالتِه المذكورة آنفًا، ولأنّ لنا، في أبرشيّتِنا، القدّيسة رفقا، مثالٌ حيّ، يشعُّ من قلبِ المتنِ نورًا للعالمِ أجمع، ولأنّ نصوصَ هذه السنة تدعونا إلى التجدّدِ الروحيّ، على مستوى الأشخاص، رأَتِ الأمانةُ العامّة، بالتنسيقِ مع رعيّة حملايا، وأخويّة طلائعِ العذراء في إقليمِ المتن، أن تنظِّمَ مسيرةَ صلاةٍ وتوبة، إلى معبدِ القدّيسةِ رفقا، في حملايا، يومَ الأحد الواقع فيه 29 حزيران 2008. تبدأ المسيرة الساعة ٣٠، ٦ مساءً، من أمام ديرِ سيّدةِ النجاة – بكفيّا، وتُختتَمُ بقدّاسٍ احتفاليّ، يترأسُه صاحبُ السيادة.
في النهاية، أودُّ أن أطرحَ سيلاً من الاسئلة، بكلِّ بساطة، يجمعُ فيما بينها جوابٌ واحد: لمَ هذا المجمع؟ لماذا المجمع البطريركيّ، والمجمع الأبرشيّ؟ لمَ كلُّ هذه الاقتراحاتِ وآليّاتِ التنفيذ؟ لماذا تُنظَّمُ المحاضرات والندوات واللجان؟ لماذا، لماذا؟ مَن هو المستفيد من كلِّ ذلك؟ كلُّ ذلك، يا إخوتي، في سبيلِ الإنسان. المستفيد من كلّ ذلك، هو نحن، لأنّ الإنسان هو الأساس، وهو المقياس، وهو الهدف. إنّ نجاحَ المجمع يكمُن في ما ينتُج عنه من تطوّرٍ ونموّ، على صعيد الإنسان، لأنّ الإنسانَ ينمو بالحوارِ المتبادَل الذي يؤمّنُه له المجمع. فكلُّ شخصٍ يشاركُ في المجمع، من خلال قراءةِ النصوص والصلاةِ والمشاركة، قادرٌ على أن يتغيّر، وأن يُغيّر، فتغتني الكنيسةُ وتنمو وتزدهر. هذا ما أوضحَه صاحبُ السيادة، في رسالتِه التي وجَّهَها، في 6 تشرين الثاني 2005، من أجلِ إطلاقِ المجمعِ الأبرشيّ، والدعوةِ إلى انعقادِه، والإعلانِ عن مباشرةِ أعمالِه. فقد دعا أبناءَ أبرشيّةِ أنطلياس المارونيّة وبناتها، إكليروسًا ورهبانًا وراهباتٍ وعلمانيّين، إلى “تجديدِ حياتِهم المسيحيّة، والالتزامِ بتعاليمِ الإنجيلِ والكنيسة،“ لكي يكونوا شهودًا لمحبّةِ الربّ، وسطَ العالمِ الذي يعيشون فيه. ماذا ينفعُنا لو وضَعنا ملفّاتٍ وملفّات، والإنسانُ عندَنا بعيدٌ كلَّ البعد عن الفكرِ المسيحيّ والكنسيّ؟ فمهما قسَت علينا المحنُ والحروب، وومهما غرِقْنا في الضَّياع، لا ننسَ أنّه يجبُ علينا أن نبقى علامةَ الرجاء، لأننا أبناءُ النور، وشهودٌ للمسيحِ القائمِ الذي أعطى الرجاء للذين لا رجاءَ لهم. ويُضيف سيادتُه: “علينا أن نتمسّكَ بهذا الهدفِ الجوهريّ الذي نتساندُ جميعُنا لبلوغِه“. فلكي ينموَ كلٌّ منّا في الحياةِ المسيحيّة، وفي تعاليمِ الإنجيلِ والكنيسة، ويصبحَ رسولاً ينقلُ الإيمانَ الذي عاشَه واختبرَه في الكنيسة، أي في جماعتِه المارونيّة، إلى الجيلِ الجديد، علينا جميعًا أن نتعاونَ لنصنعَ إنسانًا مارونيًّا لبنانيًّا، رسولاً في وسطِ العالم، في بدايةِ الألفيّةِ الثالثة. في هذا المجال، يقولُ اللاهوتيُّ المعاصرJean-Baptiste - Metz : إنّ الأزمةَ المسيحيّة، اليوم، في العالم، ليست أزمةً في المحتوى، فالمسيحُ هو هو، أمسِ واليومَ وإلى الأبد، إنّما هي أزمةٌ في الفعَلة les sujets. وما اجتماعُنا اليوم، في هذه الدورةِ الثانية، ونحن كلُّنا فعَلةٌ في الكنيسة، إلاّ فرصةٌ لفحصِ ضميرٍ جماعيّ، نقرُّ فيها بخطئنا، أمامَ الله، ونطلبُ منه أن يُنيرَنا ويساعدَنا في كلِّ فكرٍ وقرارٍ نأخذُه في حياتِنا.
المجمع إذًا، دعوةٌ لنتغيّرَ معًا، إكليروسًا وعلمانيّين، فنتعاضَد ونتعاوَن، ونعمَلَ معًا على تكوينِ صفحةٍ بيضاء، للذاكرةِ المسيحيّةِ المارونيّة، لأنّ المجمع، ولو حُدَّ بالمكانِ والزمان، إنّما هو تأسيسٌ لروحانيّةٍ جديدة، تجعلُ من المشاركين فيه، يعملون معًا، في سبيلِ نموِّ الإنسان وازدهارِ الكنيسة.
وشكرًا.