الصفحة الرئيسية > صلوات وتأملات > تأمل أسبوعي > أحد الأبرار والصديقين  

بحث



أحد الأبرار والصديقين
 
٥ شباط ٢٠١٢

بعد تذكار الموتى الأحبار والكهنة، تذكر الكنيسة الموتى الأبرار والصدّيقين، وهم أبناء الكنيسة وفخرها، لأنّهم جسّدوا في حياتهم الملكوت بأبهى صورة، ولذا تعطيهم مثالاً حيًّا للمؤمنين، وشفعاء، وهم مريم والدة الإله، والأنبياء والرسل والشهداء، والمعترفون والأبرار والصدّيقون، والقدّيسون والمختارون بنو اليمين، جموع لا تُحصى ممّن تقدّسوا في مدار حبّ وجهاد في سبيل يسوع الربّ الفادي.

الرسالة: (عب ١٢ / ١٨ - ٢٤)

ِخوَتي، إِنَّكُم لَمْ تَقْتَرِبُوا إِلى جَبَلٍ مَلْمُوس، ونارٍ مُتَّقِدَة، وضَبَابٍ وظَلامٍ وزَوبَعَة، وهُتَافِ بُوق، وصَوتِ كَلِمَاتٍ طَلَبَ الَّذِينَ سَمِعُوهَا أَلاَّ يُزَادُوا مِنهَا كَلِمَة؛ لأَنَّهُم لَمْ يُطِيقُوا تَحَمُّلَ هذَا الأَمْر: «ولَو أَنَّ بَهِيمَةً مَسَّتِ الجَبَلَ تُرْجَم!». وكانَ المَنْظَرُ رَهِيبًا حَتَّى إِنَّ مُوسَى قال: «إِنِّي خَائِفٌ ومُرْتَعِد!». بَلِ اقْتَرَبْتُم إِلى جَبَلِ صِهْيُون، وإِلى مَدِينَةِ اللهِ الحَيّ، أُورَشَلِيمَ السَماوِيَّة، وإِلى عَشَرَاتِ الأُلُوفِ منَ المَلائِكَة، وإِلى عِيدٍ حَافِل، وإِلى كَنِيسَةِ الأَبْكَارِ المَكْتُوبِينَ في السَمَاوَات، وإِلى اللهِ ديَّانِ الجَمِيع، وإِلى أَرْواحِ الأَبْرَارِ الَّذِينَ بَلَغُوا الكَمَال، وإِلى وَسِيطِ العَهْدِ الجَدِيد، يَسُوع، وإِلى دَمِ رَشٍّ يَنْطِقُ بكَلاَمٍ أَفْضَلَ مِنْ دَمِ هَابِيل!

تختصر تاريخ الخلاص في مرحلتين: مرحلة العهد القديم، على جبل سيناء، في جوّ كونيّ، بخوف ورعدة، وبُعد وفصل عن الله، مع وسيط خائف ومرتعد هو موسى، وشعب ضعيف لا يحتمل أمر الله؛ ومرحلة العهد الجديد، على جبل أورشليم السماويّة الجديدة، في جوّ شعبيّ، بحفل عيد، ومشاركة روحيّة شخصيّة وجماعيّة، مع وسيط جديد، هو يسوع، يجمع المؤمنين ويوحّدهم بالله بدم أفضل من دم هابيل البار، أوّل شاهد وشهيد للإيمان، غلب الموت بشهادته المؤمنة، التي لا تزال ثابتة حيّة بعد موته إلى الأبد. والتطبيق على الموتى الأبرار والصدّيقين واضح في النصّ مباشر، لأنّه يذكر «كنيسة الأبكار المكتوبين في السماء»، وهي تشمل جميع المؤمنين المخلَّصين بدم المسيح يسوع على الأرض وفي السماء، أبناء الكنيسة المثاليّة الجامعة، الأحياء والأموات بنوع أخصّ.

أمّا قراءات الأسبوع فمن الفصلين ١٢-١٣ الأخيرين من الرسالة نفسها. وهما الإطار المباشر لرسالة الأحد. الفصل 12 هو نداء إلى الثبات في إيمان الأجداد الأبرار، والجهاد ضدّ الخطيئة حتّى الدم، اقتداءً بجهاد يسوع الذي جاد بدمه على الصليب؛ وتحذير للمؤمنين من عدم الثبات على إيمانهم وأمانتهم للنعمة، لأنّ النعمة، التي حصل عليها المؤمن، مُلزمة وجدّيّة، تتطلّب منه عبادة مَرْضِيّة، بتقوى وخشوع، تليق بالعهد الجديد؛ أمّا الفصل ١٣ فهو تحريض للمؤمنين بإعطائهم مبادئ عمليّة لمواقف مسيحيّة تجسّد العبادة المَرْضِيّة لله، التي تتخطّى الطقوس الخارجيّة إلى حقيقة الإنسان الداخليّ، وعمق ضميره ووجدانه، في علاقته بالله والناس أجمعين.

الإنجيل: (متى ٢٥ / ٣١ - ٤٦)
«متى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ في مَجْدِهِ، وَجَمِيعُ المَلائِكَةِ مَعَهُ، يَجْلِسُ على عَرْشِ مَجْدِهِ. وتُجْمَعُ لَدَيْهِ جَمِيعُ الأُمَم، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُم مِنْ بَعْض، كَمَا يُمَيِّزُ الرَاعِي الخِرَافَ مِنَ الجِدَاء. ويُقِيمُ الخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالجِدَاءَ عَنْ شِمَالِهِ. حِينَئِذٍ يَقُولُ المَلِكُ لِلَّذينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوا، يَا مُبَارَكي أَبي، رِثُوا المَلَكُوتَ المُعَدَّ لَكُم مُنْذُ إِنْشَاءِ العَالَم؛ لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، وكُنْتُ غَريبًا فَآوَيْتُمُوني، وعُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُوني، ومَريضًا فَزُرْتُمُونِي، ومَحْبُوسًا فَأَتَيْتُم إِليّ. حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ الأَبْرَارُ قَائِلين: يَا رَبّ، متى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاك، أَو عَطْشَانَ فَسَقَيْنَاك؟ ومتى رَأَيْنَاكَ غَريبًا فَآوَيْنَاك، أَو عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاك؟ ومتى رَأَيْنَاكَ مَريضًا أَو مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْك؟ فَيُجِيبُ المَلِكُ ويَقُولُ لَهُم: أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا عَمِلْتُمُوهُ لأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاءِ الصِغَار، فَلِي عَمِلْتُمُوه! ثُمَّ يَقُولُ لِلَّذينَ عَنْ شِمَالِهِ: إِذْهَبُوا عَنِّي، يَا مَلاعِين، إِلى النَارِ الأَبَدِيَّةِ المُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وجُنُودِهِ؛ لأَنِّي جُعْتُ فَمَا أَطْعَمْتُمُونِي، وعَطِشْتُ فَمَا سَقَيْتُمُوني، وكُنْتُ غَريبًا فَمَا آوَيْتُمُونِي، وعُرْيَانًا فَمَا كَسَوْتُمُونِي، ومَرِيضًا ومَحْبُوسًا فَمَا زُرْتُمُونِي! حِينَئِذٍ يُجِيبُهُ هؤُلاءِ أَيْضًا قَائِلين: يَا رَبّ، متى رَأَيْنَاكَ جاَئِعًا أَوْ عَطْشَانَ أَوْ غَرِيبًا أَو مَريضًا أَو مَحْبُوسًا ومَا خَدَمْنَاك؟ حِينَئِذٍ يُجِيبُهُم قِائِلاً: أَلحَقَّ أَقُولُ لَكُم: كُلُّ مَا لَمْ تَعْمَلُوهُ لأَحَدِ هؤُلاءِ الصِغَار، فلِي لَمْ تَعْمَلُوه. ويَذْهَبُ هؤُلاءِ إِلى العَذَابِ الأَبَدِيّ، والأَبْرَارُ إِلى الحَيَاةِ الأَبَدِيَّة».
                                                                         
إنّه وصف نَبَويّ ليوم الدينونة، خاصّ بِمتَّى. به تبلغ خطبة النهايات ذروتها. المسيح هو الراعي والملك الديّان، يجلس على عرش مجده، ويدين جميع الناس على ما قاموا به من أعمال رحمة أو لم يقوموا، لأنّ كلّ ما يعمله الإنسان لأيّ محتاج فليسوع نفسه هو يعمله! فالدينونة تُثبت ما يعمله الناس في هذا الزمن الحاضر، وتزرع الأبديّة في قلب الزمن، فتحوّل كلّ المبادرات البشريّة، مهما كانت زهيدة، مثل تقديم كأس ماء أو رفضه، إلى تاريخ حاسم واختيار أبديّ! والقاعدة المطلوبة لفرز الناس تقوم على المبادرات الإنسانيّة الستّ: إطعام الجائع، وإرواء العطشان، وإيواء الغريب، وإكساء العريان، وافتقاد المريض والسجين. وبموقفنا تجاهها يتعلّق حكم دينونتنا، واستحقاقنا للاختلاط بجموع الأبرار والصدّيقين.

أمّا قراءات الأسبوع فهي من متى ٥، في قراءة متواصلة، وهي القسم الأوّل من عظة يسوع على الجبل، التي تبدأ بالتطويبات التسع، وهي خلاصة تعاليم يسوع الجديدة، كما أنّ الوصايا العشر هي خلاصة الشريعة القديمة. إنّها تختصر برنامج ملكوت الله الجديد الذي حقّقه يسوع بين البشر ليجعلهم أبناء الملكوت، أبرارًا وصدّيقين (٥/ ١-١٢). والمؤمنون في الكنيسة مسؤولون كالملح والنور عن إيصال رسالة المسيح إلى جميع الناس، تحت طائلة السقوط عن رتبتهم مثل الملح إذا فسد، والنور إذا وُضع تحت المكيال (٥/ ١٣-١٦)؛ وعلى المؤمن أن يعمل بالتوراة والنبوءات ويعلّمها، متجاوزًا الحرف إلى المضمون الروحيّ الذي كمّلها يسوع به ولم يُبطلها (٥/ ١٧-٢٠)؛ كان القتل، في التوراة، يستوجب حكم القضاء، أمّا يسوع فيوجب القضاء على من يغضب على أخيه أو يشتمه ولم يصالحه (٥/ ٢١-٢٦)؛ ويحرّم العهد القديم فعل الزنى، وجديد يسوع أنّه ساوى الشهوة بالفعل، وضخّم من شرّ الشهوة، فإنّه شرّ من العمى، والشهوة ليست في الأعضاء الخارجيّة بل في القلب: فهناك يجب القضاء عليها، مهما غلا الثمن كاليد والعين (٥/ ٢٧-٣٢)؛ وعلى المؤمن ألاّ يردّ الشرّ بالشرّ، ويتحمّل الإهانة بالانتصار على ذاته أوّلاً؛ وبإظهار الحقّ والمطالبة به ثانيًا، كما فعل يسوع نفسه إذ لطمه الخادم على خدّه؛ وبمحبّة المعتدي ثالثًا. بذلك يكون تلميذ يسوع كاملاً على مثال أبيه السماويّ، ومشاركًا له في ملكوته السماويّ، مع الأبرار والصدّيقين كافّة (٥/ ٣٨-٤٨).

قديسو الأسبوع:
الأحد ٥ شباط ٢٠١٢: القدّيسة أغاتا الشهيدة
مِن مَدينَةِ بالرمو في جَزيرةِ صِقلِّية. جاهَرَتْ يإيمانِها بِشَجاعة فنالَت إكليلَ الشَهادَةِ في مُنتَصَفِ الجيلِ الثالث. فَلتَكُن صَلاتُها مَعَنا، آمين.

الخميس ٩  شباط: مار مارون المعترف

«لا تخف أيّها القطيع الصغير، فأبوكم السماويّ شاء أن ينعم عليكم بالملكوت» (لو ١٢: ٣٢)
أبو الكنيسة المارونيّة. ولد في بلاد قورش. دعاه تيودوريطس القورشيّ: «مارون الإلهيّ». رُقّي إلى درجة الكهنوت المقدّسة. ترك الحياة الاجتماعيّة ليتنسّك على إحدى تلال قورش في شمالي سورية. كرَّس معبدًا وثنيٌّا لعبادة اللّه الحقيقيّ. عاش في العراء. أمضى لياليه في الصلاة والسجود والتأمّل، وأيّامه في الصوم والتقشُّف والتجرُّد. ذاع صيته، فتقاطر الناس إليه، للشفاء وسماع إرشاداته والتتلمذ على يديه، فامتلأ الجبل نُسَّاكًا وناسكات. إمتاز بالشفاء من الأمراض الجسديّة والنفسيّة والروحيّة، ودواؤه الوحيد هو الصلاة. كتب القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفمّ رسالةً له يطلب فيها الصلاة من أجله. رقد بالربّ سنة ٤١٠م.



للحصول على قراءات النهار (الرسالة والانجيل)

زوروا موقع الانجيل اليومي