الصفحة الرئيسية > سنة الكتاب المقدّس > هوية الكاهن  

بحث



ننشر في ما يلي رسالة رئيس الأساقفة عصام جون درويش، رئيس أساقفة أبرشية الروم الملكيين الكاثوليك في أستراليا نيوزيلاندا.
* * *
الأخوة الكهنة والشمامسة الأحباء،
أحيانا كثيرة ينسى بعض الكهنة هويتهم الحقيقية وآخرون لا يرونها بوضوح وبعضهم الآخر يعيش قلق المستقبل. ربما هذا من أهم الأسباب التي تجعل عدد الكهنة يتضاءل يومًا بعد يوم. ويعود هذا الواقع إلى أسباب كثيرة أهمها التحولات التي طرأت على المجتمع في السنوات الثلاثين الأخيرة وإلى طرائق التربية في الإكليريكيات التي ربما لم تعرف حتى الآن أن تتلاءم مع الأزمات التربوية التي تمر فيها هذه المجتمعات.
إزاء هذه الأزمة لم تتوقف الكنيسة عن السعي إلى حلول يكتشف فيها الكاهن أسس الحياة الكهنوتية وطبيعة رسالة هذه الحياة. كما أنها لم تتوان عن التأكيد يوما بعد يوم على الأمور الأساسية الموجودة في الكهنوت وعلى التصدي للتحديات التي تواجه الكهنة. وقد أصدرت الكنيسة وثائق كثيرة تحدد بوضوح طبيعة الحياة الكهنوتية ورسالتها في عالم اليوم، نذكر منها "الإرشاد الرسولي في الحياة المكرسة"، و"أعطيكم رعاة" ودليلا في خدمة الكهنة وحياتهم... وكلها لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني. لقد أحبّ هذا البابا الكهنة وأعطاهم الكثير من حبه وفكره كما أراد عبر رسائله كل عام يوم خميس الأسرار وفي كل إرشاداته الرسولية أن يثبّت الكهنة في هويتهم ويؤكد على دورهم الحيوي في حياة الكنيسة.
ففي رسالته للكهنة يوم خميس الأسرار عام ١٩٨٢ يربط بين ولادة الكاهن وبين سر الافخارستيا فالكاهن، كل كاهن، وُلدَ "خلال العشاء السري الأخير وعلى أقدام الصليب على الجلجلة، حيث هناك ينبوع الحياة الجديدة وكل أسرار الكنيسة وهناك أيضا منشأ كهنوتنا". إن الله أشركنا في عمله ومسؤوليته، مسؤولية الراعي، وصرنا خُداما لكهنوته ودعوتنا الأساسية هي أن نبني جسد المسيح، الكنيسة. والكاهن يجب ألا يُحزن الروح بقلة إيمانه ولا بنقص استعداده للشهادة أو بميله إلى التصرف "بوحي ذهنية عالم اليوم". في نهاية رسالته يدعو البابا الكهنة إلى أن يعيشوا التزامهم بسخاء وفرح وأن يعملوا بكل قواهم على إيقاظ الدعوات في نفوس الشباب.
أمّا في رسالته عام ١٩٨٦ فركّز على كهنوت الخدمة لأن دعوتنا التي ثُبِّتَتْ بهبة وضع اليد طبعت حياتنا بطابع الخدمة ويقدم لنا البابا يوحنا بولس الثاني القديس يوحنا فيانيه، خوري أرس، مثلا لخدمتنا الكهنوتية الذي شكل لمجتمعه آنذاك "ما يشبه التحدي الإنجيلي الكبير الذي أثمر ثمار ارتداد عجيبة".
إن الكاهن يجد هويته في المسيح الكاهن الأول وبفضل هذه الهوية المشتركة بينهما تنفتح له أبواب واسعة لخدمة النفوس، إذ هو مرسوم ليعمل باسم المسيح، ومسؤوليته الأولى أن يوزع عليهم الكلمة والغفران وخبز الحياة ويجمعهم ليصيروا أخوة في عائلة واحدة هي عائلة المسيح. لذلك لم يعد باستطاعة الكاهن أن يبقى بعيدا عن هموم الناس بل، على العكس، عليه أن يكون قريبا منهم دون أن يقع في خطر علمنة نفسه، كما عليه أن يسعى باستمرار ليتقدس ليكون أهلا لتقديس غيره.
عام ١٩٩٠ تدارس آباء الكنيسة أثناء اجتماع سينودس الأساقفة في روما المسائل المتعلقة بتنشئة الكهنة ... ونتيجة لذلك السينودس أصدر البابا يوحنا بولس الثاني عام ١٩٩٢ الإرشاد الرسولي "أعطيكم رعاة" – Pastores dabo vobis – وهو بمثابة انطلاقة حقيقية لتجديد برامج التنشئة الكهنوتية ولخدمة الكاهن وطرق مجابهة الأزمات التي يتعرض لها. فالمطلوب من الكاهن أمر واحد هو التشبه بيسوع المسيح، الراعي الصالح (يو١٠/ ١١-١٤)، الرأس والخادم، الذي يبحث باستمرار عن خرافه (متى ١٨/ ١٢-١٤)، والذي يبذل ذاته بمحبة لأنَّ المسيح "أحب الكنيسة وبذل ذاته لأجلها" (أف٥/٢٥). تقول الوثيقة: "على الكاهن أن يكون إنسانا واعيا حرّا مسؤولا، وملتزما التزاما عميقا ممارسة خدمته". وهو مدعو ليعيش موهبة النعمة التي أعطيت له لاسيّما تلك التي أعطيت للكنيسة بالإفخارستيا.
من هو الكاهن؟
هذا السؤال لم يتجرأ أحد على طرحه في بدايات القرن الماضي، ليس لأنه صعب ولا لأنه مُحيّر بل لأن الجواب عنه كان من البداهة لدرجة أنّه لا يخطر على بال، لكننا وبعد أزمة الدعوات العالمية التي نشهدها حاليا، ولاسيّما في العالم الغربي، ونتيجة لبعض الشكوك التي وقعت على أيدي بعض الكهنة والتي نسمعها من وقت إلى آخر في الإعلام، لم تقتصر هذه الأسئلة حول الكهنوت على العلمانيين الذين صاروا يطالبون وبحق بدور كبير في رعيتهم ولاسيّما  في إحياء الليترجيا وفي إدارة أموال الوقف، لكن الكهنة أيضا بدأوا يتساءلون عن دورهم في الرعية وطرق قيادتهم الجماعة المسيحية وحضورهم في مجتمع يتعلْمَن يوما بعد يوم. ناهيك عن الدور الاجتماعي وأحيانا السياسي الذي يضطرون أن يقوموا به على حساب اهتماماتهم الرعوية وربما على حساب حياتهم الروحية. وأحيانا كثيرة يجد الكاهن نفسه مسؤولا عن أمور مادية كثيرة كبناء قاعة قرب الكنيسة وتصليحات كثيرة وشراء مستلزمات جديدة للرعية.. هذه الطروحات والأسئلة وغيرها من الأفكار المتداولة بين الاكليروس والعلمانيين على السواء، تجعلنا نطرح أسئلة كثيرة عن الكهنوت وتدفعنا لنبّين  طبيعة الدعوة الكهنوتية ونوضح هوية كاهن اليوم.
عندما يعتمد الإنسان يصير مسيحيًّا، يمنح الروح القدس ويصير بنعمته ابنا أو بنتا لله. هذا يعني أنه يأخذ هوية جديدة وتصير هويته مسيحية، وعندما يتزوج شخصان يأخذان أيضا هوية جديدة، يصيران جسدا واحدا وهويتهما الجديدة هي العائلة الواحدة؛ وعندما يرتسم الكاهن يأخذ أيضا هوية جديدة، فنعمة الله تحوّله إلى كاهن وتغيّر كيانه كله فلا يعود بعد إنسانا عاديا إذ قد نذر ذاته للرب. هذا الكهنوت ليس وظيفة أو عملا مؤقتا يستبدله بعمل آخر عندما يحلو له، إنه كهنوت مؤبد على صورة الكاهن الأول، يسوع المسيح.
اختار المسيح الكاهن وأرسله ليكمل عمله على الأرض "كما أرسلني الآب أرسلكم" (يو٢٠ / ٢١) وأعماله كلها تكون باسم المسيح فعندما يقول " أعمدك باسم الآب والابن والروح القدس" أو "أحلك من كل خطاياك" لا يفعل هذا من تلقاء نفسه بل باسم المسيح يُعمِّد وباسمه يمنح المغفرة. بهذا يصير الكاهن "خادما للأعمال الخلاصية الجوهرّية، وينقل الحقائق الضرورية للخلاص ويرعى شعب الله ويقوده إلى القداسة" (يوحنا بولس الثاني، أعطيكم رعاة، ٧).
أيها الأخوة الأحباء، سمعت وأنا في إكليريكية دير المخلص أقوالا كثيرة تحدد هوية الكاهن فواحد كان يقول لي أن الكاهن هو رجل الله وآخر أنه سفير المسيح وثالث هو نبي من أنبياء العهد الجديد.. لم أفهم في ذلك الوقت معنى هذه الأقوال إلا أني صدقتها لأن الكهنة الذين كانوا يرددونها على مسامعنا في القراءات الروحية أو في أوقات الإرشاد الروحي كانوا مليئين من الروح القدس، فيهم من النقاء والتواضع والبساطة ما يجعلهم قريبين من القديسين. معظم هؤلاء سبقوني إلى النور وإلى التمتع بصلاح الله ومازلت حتى الآن وبعد سبع وثلاثين سنة على رسامتي كاهنا أتمتع بما كشفوه لي من معرفة بمثلهم الصافي وإحساسهم المرهف وصدق قولهم وتشجيعهم الجذّاب المتواضع.
الكاهن رجل الله
يولد الكاهن في عائلة تنتمي إلى مجتمع محدد ويحمل معه إلى الكهنوت خبرات كثيرة فيها السيئ والصالح، لكن وجوده في هذا العالم ليس صدفة بل كان في فكر الله قبل أن يولد. هذا يعني أن الله أحبه منذ القدم حبا شديدا حتى أنه اختاره ليكون خاصته ودعاه ليكون كاهنه أي رجله الخاص وهو عالم بنقائصه وخطاياه كما هو عالم بمواهبه وشعوره واستعداداته: "قبل أن أصورك في البطن عرفتك وقبل أن تخرج من الرحم قدستك وجعلتك نبيا للأمم (ارميا ١/ ٥). عندما يختار الله إنسانا لخدمة معينة، يُغدق عليه كل النعم التي يحتاجها ليؤدي هذه الخدمة ويعطيه "قلبا جديدا ويجعل في أحشاءه روحا" (حز٣٦ /٢٦). المسيح نفسه عندما صلّى توجه إلى الآب قائلا: "يا أبت إنَّ الذينَ وهَبتَهم لي، هُمُ الذينَ أريدُ أن يكونوا معي حيثُ أكون. فيعاينوا ما أوليتني من المجد" (يو١٧/ ٢٤).
يقول القديس بولس أن الكاهن إنسان يُقام لدى الله: "إنَّ كلَّ حَبْرٍ يُؤخذُ من بينِ الناس ويُقام لدى الله من أجل الناس، لِيُقَرِّبَ قرابينَ وذبائحَ كفّارةً للخطايا" (عب ٥/ ١). يذكرنا هذا النص بمهمة الكاهن الأولى وهي أن يكون وسيطا بين الله والبشر ويكمل وجوده على الأرض وامتداده بين الناس؛ لقد غسل المسيح أرجل تلاميذه وترك لنا أن نغسل أرجل بعضنا. إنه أفضل نموذج لعمل الكاهن وخدمته الكهنوتية في كل أنواعها وهذا  لا يتحقق إلا إذا كان الكاهن رجل الله أي في شراكة دائمة معه. تتم هذه الشراكة بطريقة عملية بواسطة الصلاة، فلكي يكون الكاهن رجل الله عليه أن يكون رجل صلاة وأفضل صلاة هي عندما نعزل ذاتنا عن الناس لأننا بهذا نكون مع الله.
الكاهن سفير المسيح
تحدد الكنيسة بأن عمل الكاهن هو التبشير بكلمة الله. يبدو لي أن هذه المهمة يجب أن تكون من أولويات الكاهن في مجتمع يتعلمن يوما بعد يوم فرسالة الكاهن الجوهرية هي أن يُقدّمَ الله للناس ويرشدهم إليه ويُفسر لهم ما جاء في الكتاب المقدس ويجعل كلام الله واقعا ملموسا في حياتهم. من أجل أن يتمم هذه المهمة عليه أن يمتلئ هو أولا من يسوع المسيح وينسج معه صداقة شخصية عميقة. يقول القديس بولس إنَّ "محبة المسيح تأخذ بمجامع قلوبنا" ( ٢كو٥/ ١٤)  يعني أن محبة المسيح لنا ومحبتنا له هي التي تجعلنا نحمل الإنجيل إلى العالم.
علينا نحن الكهنة أن نبذل جهدا مضاعفا في البحث عن المؤمنات والمؤمنين الذين ابتعدوا عن الكنيسة، فغالبا ما يكون بعدهم نتيجة خلافات بسيطة أو سوء تفاهم أو كسل روتيني وربما ينتظرون إشارة منا حتى يعودوا إلى رعيتهم.  
هل الكاهن نبي من أنبياء العهد الجديد؟
مهمة الأنبياء أن يربطوا بين الله وخليقته، بذلك تكون رسالتهم دعوة إلى المستقبل ونداء إلى ارتداد الإنسان نحو خالقه. فأنبياء العهد القديم كُلّفوا بتصويب مسيرة شعب ليعترف بأن الرب آت وهو سيأتي من أجلهم وعليهم أن يعبدوه: "سيعلمون أني أنا الرب (حزقيال ٣٦/ ٣٨). أما في العهد الجديد فيحثنا بولس إلى التشوق لموهبة النبوءة "أطلبوا المحبة وتشوقوا إلى المواهب الروحية، ولا سيَّما موهبةِ النبوءة" (١كور١٤/ ١) ويحدد مهمات الذي يُنبئ "فهو يُكلّمُ الناسَ بكلام يبني ويَعِظ ويُعزّي.. أما الذي يُنبئ فيبني الكنيسة" (١ كور  ١٤ / ٥).
إذن مهمة الكاهن إن يُنبئ عن المستقبل، مستقبل العلاقة مع الله ومستقبل العلاقة مع الأخوة البشر، وهو من يدعو الإنسان، بوعظه وإرشاده وبكشفه إرادة الرب وإعلان هذه الإرادة، إلى أن يحيا بكلمة الله. إنه مؤتمن على حمل شريعة الرب إلى الناس فالله أقامه راعيا وخادما ومعلما ومنحه نعمة لم يمنحها حتى للملائكة وهي أن يُظهر بنعمة الروح القدس جسد المسيح ويجعله غذاء روحيا للذين يرومون خلاصا.
خاتمة
اختار الرب التلاميذ وسمّاهم رسلا ودعاهم للخدمة وقال لهم: "لم تختاروني أنتم، بل أنا اخترتُكم وأقمتُكم لِتنطلقوا فَتُثمِروا فيُعطيَكم الآب ما تسألونَهُ باسمي" (يو١٥/ ١٦). الرب يسوع اختاركم أيضا، أيها الأخوة الكهنة، فأظهروا هويتكم الحقيقية في ممارسة خدمتكم الكهنوتية بفرح حتى في أشد الصعاب، واسألوا دوما أن يُرسل ربّ الحصاد رسلا يجعلون ملكوته حاضرا في قلب الإنسان.

هل يمكن أن ننادي الكاهن "أبونا"
كان والدي أول المهنئين لي بعد سيامتي كاهنا في دير المخلص في ١٧ أيلول ١٩٧٢، قال لي "مبروك يا أبونا". نظرت إليه متعجبا فأنا ابنه وهو يسميني "أبونا"، نظر إليّ ودمعة الفرح في عينيه وكأنه عرف ما يدور في خاطري وأردف: "نعم ناديتك أبونا لأنك منذ الآن صرت أبا روحيا لعائلتك أولا ومن ثمّ للجميع". كانت هذه أجمل لحظة في حياتي.
سمعت مرارا بعض الأشخاص يعترضون عن تسمية الكاهن "أبونا"، هذا الاعتراض هو بدعة دخلت الكنيسة مثلما دخلت بدع أخرى منذ بداية تأسيسها وقد حذّر منها القديس بولس الرسول حين قال لأهل كورنثوس: "بلغني أولا أنَّه، إذا اجتمعت كنيستكم، تَفرَّقتُم فِرَقا. وإني أُصدِّقُ بعضَ هذا لأنّه لا بُدَّ من الشقاق فيما بينكم ليظهرَ فيكم ذوو الفضيلة" (١ كور ١١/ ١٨). فالبدعة هرطقة فكرية انحرفت عن التعليم الصحيح وهي ليست بطارئة على الكنيسة ففي رسالته الأولى تكلم القديس يوحنا عن المنشقين القائلين بأن المسيح لم يتجسد فقد خرجوا بذلك من الجماعة وابتعدوا عن إيمان الرسل.
قال المسيح: "لا تَدْعوا أحدًّا أباً لكم في الأرض، لأن لكم أبًا واحِدًا هو الآب السماوي" (متى ٢٣/ ٩). يستند بعضهم على قول يسوع هذا ليثبّتوا صدق قولهم. لكنه فاتهم أن ما جاء في هذا المقطع أتى في سياق الكلام عن الفريسيين وإدانة كبريائهم وتسلطهم على الناس وقد شبههم يسوع بالقادة العميان. هؤلاء لا يستحقون أن يسمّوا آباء لأنهم مراؤون، أهملوا العدل والرحمة والوفاء (متى ٢٣/ ٢٣).
لقد تحدث الكتاب المقدس مرارا عن الأبوة الروحية فبولس الرسول مثلا يقدم ذاته كأب روحي للكورنثيين "ليس لكم عِدَّةُ آباء، لأنّي أنا الذي وَلَدَكُم بالبشارة، في المسيحِ يسوع" (١ كور٤/١٥).
هذه الأبوة تراها الكنيسة بريق من أبوة الله المطلقة "فمِنه كُلُّ أُبُوَّةٍ في السّماءِ والأرض" (أفس ٣/ ١٤-١٥)، فمنذ بدايتها ركزت على أبوة الكاهن الروحية التي هي إحدى الصفات الجميلة التي يتمتع بها الكاهن الذي يعمل على نسج علاقات طيبة مع الجميع وبخاصة مع الشبيبة الذين يرون فيه مثلا لهم في حياتهم، يأتون إليه في صعوباتهم ويطلبون منه النصح. فعندما يدعو الناس الكاهن "أبونا" يعرف جيدا أنه خادم أبوة الله وخادم نعمة الروح القدس وهو كيوحنا المعمدان "لم يكن هو النُّور بل شاهدًا للنُّور" (يو ١/ ٨).
إن أجمل عمل يقوم به "الأبونا" هو منح الغفران فالناس يتقدمون إليه بتواضع وانسحاق يطلبون منه غفران خطاياهم. في هذا الوقت يختبر الكاهن قُدس أبوته الروحية ويتذكر ما جاء في مثل الابن الشاطر، فالأب كان ينتظر بعطف وشوق عودة ابنه الضّال حتى يُظهر له محبته وغفرانه وقبوله من جديد في البيت الأبوي وبالفعل صنع له، عندما عاد، عيدا دعا إليه الجميع ليفرحوا معه. الكاهن هو أيضا هذا الأب الذي يستمد من حب الله قوة ليكون ال "أبونا" فيوزع محبة الله وغفرانه لأخوته البشر وكأني به قناة تجري فيها بلا انقطاع أبوة الله ورحمته ومحبته وحنانه وغفرانه.
الله هو "أبونا" الوحيد والمطلق والكاهن يستمد أبوته من الأب السماوي، إنه الأيقونة التي إذا ما تأملها الناس يرون فيها صورة هذا الأب، المسيح نفسه قال بوضوح "من رآني رأى الآب" (يو١٤/ ٩)، بما أن دعوة الكاهن أن يكون مسيحا آخر، عليه أن يُظهر وجه الآب في حياته وتصرفاته ومسلكه. إن تأثير الكاهن على رعيته كبير جدا وهو يثير الانتباه عندما يرفع الذبيحة الإلهية أو عندما يكون في كرسي الاعتراف أو في زيارة لمريض أو حتى عندما يسير في الشارع، لذلك عليه أن يجهد بأن يُبين بوضوح صورة هذا الأب الحنون الذي ينتظرنا دوما لنعود إليه.
كيف يرى الكاهن دوره كأب في حياته اليومية؟ إنه يشبه أي أب في عائلة بشرية، فهو أب لعائلة أكبر، يمارس فيها سلطة المحبة والإصغاء والتوجيه، يحترم أولاده ويطلب منهم الاحترام. لذا وُجب عليه أن يكون ضليعا من المعرفة وعميقا في إيمانه ليساعد أبناءه الكثيرين ويدلهم على الطرق التي تمكنهم من المدافعة عن معتقداتهم وكيف ينقلونها إلى أولادهم. وهو مثل كل أب عليه أن يكون واضحا في تعليم أولاده، يبين لهم بوضوح تعليم الكنيسة وما هو الخطأ والصحيح في مسلكهم. كما عليه أن يرشدهم ويبين لهم السبل ليكونوا واحدا.
كان الآباء في العهد القديم يباركون أولادهم أما في العهد الجديد فالمسيح بارك تلاميذه مرات عدة، وعندما كان يبارك سامعيه كان يرفع عينيه إلى السماء ويصلي، وهكذا فعل الرسل ومن ثمّ آباء الكنيسة. الأب المسيحي أيضا يبارك أولاده ويطلب لهم القوة من السماء. أما الكاهن فأمامه مناسبات كثيرة يقدم فيها البركة لأولاده، لكن عليه ألا ينسى أن يضفي على بركته، عندما يمنحها، مسحة من أبوة الله.
بما أنه أب روحي، على الكاهن أن يدافع بقوة وبدون كلل عن القيم العائلية التقليدية، فيساهم بوعظه وإرشاداته وحضوره في أن تكون العائلة موحدة، وهو ليس ضيفا على عائلة يزورها أو يلتقي بها إنه فعلا أب لها وهذه هي هويته الحقيقية وعليه أن يبرهن على هذا بمثله وتعليمه.
كتب القديس يوحنا إلى أبناء رعيته قائلا "يا أبنائي الصِّغار، أكتبُ إليكُم بِهذا لِئلا تَخطأّوا. وإن خَطئَ أحدٌ مِنّا فَلنا من يسوعَ المسيحِ المغفرة" (١يو ٢/ ١)، "ليسَ أدعى إلى السُّرورِ مِن أن أسمَعَ أنَّ أبنائي يَسيرونَ على طريقِ الحقّ" (يو٣/ ٤).
بناء على ذلك أدعوكم أيها الأخوة الكهنة أن تدركوا أنكم نلتم قوة كبيرة من العلاء لتساعدوا الآخرين فاستعملوا هذه القوة لخير أبنائكم لا لإيذائهم، ولنرفع معا الدعاء إلى الله، الآب السماوي، ليمنّ علينا بأن نردد دوما كلام المسيح "يا أبت قد مجدتُكّ في الأرض فأتمَمتُ العملَ الذي وكلتَهُ إليَّ.. أن أهب الناس الحياة الأبدية" (يو١٧/ ٢-٤).
ولنكِل أبوتنا إلى مريم العذراء ونجعلها شريكة كهنوتنا فنجد عندها الحماية والمعونة ونستمد منها العزم لكي نحافظ على نقاء كهنوتنا. إننا على يقين بأنها ستكون دوما معنا، ترافقنا، تسهر معنا وتشجعنا لنبقى راسخين في هذا الفرح العظيم الذي لمسناه وشعرنا به يوم دعينا لأول مرة "أبونا".