استراليا، الجمعة ٢٥ ديسمبر ٢٠٠٩ – ننشر في ما يلي رسالة رئيس الأساقفة عصام يوحنا درويش راعي أبرشية الكنيسة الملكية الكاثوليكية في أستراليا ونيوزيلندا، إلى الكهنة في مطلع السنة الجديدة.
رسالة إلى أخوتي كهنة الأبرشية في بداية السنة الجديدة
باسم المخلص أفتتح السنة الجديدة برسالة محبة أوجهها إليكم أنتم الكهنة والشمامسة معاوني في خدمة الهيكل وأخوتي في الكهنوت وأقول لكم "اثبتوا على المحبة الأخوية"[١] وأدعوكم لتكتشفوا معي الإمكانيات العظيمة التي تنبع من المحبة الأخوية، ويكفينا أن نعرف أن محبتنا لبعضنا بعضا تجعلنا نلمس وجود المسيح معنا وبيننا ونختبر جمال الحرية التي يمنحنا إياها الرب. في بداية هذا العام أردد لكم قول المسيح "لا تخافوا" إنه معنا حاضر في عملنا اليومي يشجعنا في نجاحاتنا ويقوينا في فشلنا، ينير دربنا ويبث فينا الأمل والرجاء ونحن عندما نفتح له قلبنا ونسلمه ذاتنا يعطينا مئة ضعف ويجعلنا نختبر الحياة الحقيقية.
إن كلماته التي وجهها إلينا يوم دعانا لنكون رسلا تبقى خالدة: "ما من أحد ترك بيتا أو إخوة أو أخوات أو أما أو أبا أو بنين أو حقولا من أجلي ومن أجل البشارة إلا نال في هذه الدنيا مائة ضعف من البيوت والأخوة والأمهات والبنين والحقول مع الاضطهادات وأما في الآخرة، فينال الحياة الأبدية"[٢]. هذه المائة ليست ثمرة تعبنا ولا هي نتيجة تجارة ناجحة أو ربح عبثي ولا هي نتيجة أفكارنا الشخصية وبرامجنا وإرادتنا الشخصية، بل هي نعمة من الله وثمرة قبولنا بكامل حريتنا بأن نتبع الرب وبأن نصغي إليه ونرتضي بأن ننقاد إليه.
لقد أظهر الله رأفته بما يخصنا نحن الكهنة ولم يعد يمكننا أن نصف الغنى الذي قدمه لنا، هو "الذي أحبنا حتى المنتهى". لكنه بالوقت نفسه أمرنا بأن نحب أخوتنا: "أحبب قريبك كنفسك"[٣] يقول بولس الرسول أن "إلهنا نار آكلة"[٤]. النار هي المحبة التي أُلقيت علينا من السماء "جئت لألقي نارا على الأرض"[٥]. فعندما يجد المسيح قلبنا مهيأً يأتي إلينا "كالنار" فيحرق شوائبنا وخوفنا وعجزنا ويجعل مسكنه عندنا، لكنه بالطبع لن يأتي وحده، يأتي إلينا مع الآخرين، مع الأخوات والأخوة.
نحن الكهنة نجد صعوبة كبيرة في التعبير عن محبتنا وهذه من طبيعة الرجل الذي لا يسمح لعواطفه أن تظهر ببساطة كما هي الحال عند المرأة. من أجل ذلك أجد أن محبة أخوتنا الكهنة هي دعوة نكتسبها بسعي يومي وجهاد متواصل، وهي وصية دعانا المسيح لكي نحفظها ونعيشها، إنها محبة تنحدر علينا باستمرار من السماء لأن "الله محبة".
أثناء زيارة قمت بها لإحدى العائلات للتعزية، التقيت بمجموعة من أقارب وأصدقاء العائلة المحزونة. ما إن قدمت التعازي بدأ الناس يتحدثون سلبا عن كهنة الرعايا،قال الأول: كاهن رعيتي لا يعرف أن يعظ، وقال آخر لا يعرف كيف يدير رعيته وأردف ثالث لا يزور إلا الأغنياء... ثم فجأة قال أحدهم" "إني أقدر كثيرا كاهن رعيتي فهو إنسان جيد، يتمتع بصفات حميدة فسألته لماذا هو جيد ولماذا تقول عنه أشياء حسنة؟ أجاب: "لأنه يحبنا جميعا وبدون استثناء".
سأل يسوع بطرس ثلاث مرات متتالية: "أتحبني أكثر من هؤلاء" أجابه بطرس: "نعم يا رب، أنت تعلم أني أحبك"[٦] لكن يسوع لم يكتف بهذا الجواب فربط محبة بطرس له بمحبته الآخرين، بمحبة تفوق المقاييس البشرية فقال له: "ارع خرافي". وصية المحبة والعناية بالآخرين هي الوصية الوحيدة التي أعطاها يسوع لبطرس، عندما سلمه قيادة الكنيسة، إنها تشمل الوصايا كلها لأنها الأعظم.
يُعطى الكاهن أثناء رسامته كاهنا الوديعة المقدسة (الحمل الذبيح) ويقول له المطران الراسم: "خذ هذه الوديعة وحافظ عليها إلى تجلي ربنا يسوع المسيح، حينما يسألك عنها". هذه الوديعة هي محبة يسوع المسيح ومحبة الآخرين كما طلب منا "أحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم.. بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي"[٧]. وفي يوم رسامته أيضا يحصل على نعمتي رعاية المحبة والانتماء إلى جماعة الرسل وهما يشكلان أساس دعوته فيعمل بصلاته أن يعيش أبعادها ويكتسب متطلباتها العملية ويتحلى بها في سلوكه اليومي.
نجد في حياة الكهنة عوائق كثيرة في حياتهم المشتركة يأتي بعضها من العقليات المختلفة أو من فارق العمر أو من التربية البيتية والإكليريكية، ناهيك عن الثقافة والمحيط الاجتماعي والسياسي، فالكاهن يحمل معه إلى كهنوته عفش الماضي ورواسب المحيط الذي نشأ فيه. كما أن العقبات تأتي من الكاهن نفسه عندما لا يعمل على تطوير معلوماته وثقافته وروحانيته وعندما لا يريد أن يتطلع إلى خارج حدود رعيته فينسى أنه ارتسم ليكون خادما في الكنيسة الجامعة وليس لرعية محددة وبأنه كاهن رُسم لكل الناس وليس لفئة معينة. لذا على الكاهن أن يجهد ليتخطى هذه الحواجز فيتمكن من التمتع بفرح الأخوة الروحية ويُلزم ذاته بتخطي رواسب الماضي لأن رسالة الكنيسة وخدمة المحبة تعتمدان إلى حد كبير على أُخوّة الكهنة بعضهم لبعض.
خلاصة
لكي يكون الكاهن تلميذا حقيقيا ليسوع المسيح، عليه أن يتعرف عليه ويهبه ذاته ويتبعه في كل وصاياه، ومن ثم أن يتعرف على رفاق الدرب أخوته الكهنة، يشاركهم حياتهم ويصلي من أجلهم، يريد لهم ما يريده لنفسه ويعاملهم كما يريد أن يعاملوه ويحبهم كما يتمنى أن يحبوه. إن رعاية المحبة ونعمة الانتماء يشكلان فحوى البشرى التي ينتظرها الناس من الكهنة، بقدر ما يحبون بعضهم بعضا يختبر الناس حضور المسيح في كنيستهم وبقدر ما يشعرون بوحدتهم وبصلابة العلاقة فيما بينهم يزدادون إيمانا وأمانة لدعوتهم في أن يكونوا هم بدورهم شهودا ليسوع المسيح له المجد. آمين.






