زاوية حرّة
الخوري ميراب الحكيم
الخوري ميراب الحكيم
"هوّي شالني من الموت"... قصّة مذود عاش الميلاد

بتذكّر لما كنت خشبة مرميّة عالأرض بمشغل أحد النجّارين. كنت دايمًا شوف التِّحَف الحلوة اللّي يعملها من الخشب، كيف كان يحوّل الخشب لأشكال رائعة ويبيعها للنّاس وتصير كلّ قطعة عندها بيت، وفي مِنُن صاروا بقصور... كان حلمي يجي نهار وصير شي مهمّ ومَحَطّ أنظار للكلّ! يتطلّعوا فيّي النّاس ويتأمّلوني ويمجّدوا الله عا جمالي...
مرقِت الإيّام وسائت أحوال النجّار الصحيّة وصار يغيب كتير عن شغلو وخَتيَر ومات... ومن بعد وفاته، مرتو سكّرت المشغل ونضّفتو وكان نصيبي إنزَتّ بالحرج متلي متل كتار من الخشبات.... لحدّ ما إجى يوم بلاقي حالي صرت عا ضهر حمار، حمّلوني وأخدوني ما بعرف لَوين! خفت كتير! زعلت وبكيت كتير. بآخر المشوار وصلنا عا مزرعة فيها حيوانات: بقر وغنم وخواريف وحمير... جابوا هالمنشار وقطّعوني شِقَف ليعملوا منّي مَعلَف يحطّوا فيه الأكل للحيوانات. أحلامي كلّها ضاعت، والخشبة المليانة حياة ورجا صارت معلف موسَّخ وعتيق وحزين. مش هيدي الحياة اللّي تمنّيتها! مش هيدا اللّي كنت إحلم صيرو! بسّ هيدا قدري وقبِلتو...
قطعت السنين وريحة هالمزرعة صارت منّي وفيّي وصاروا الحيوانات رفقاتي، لحدّ ما إجت ليلة كانت غير كلّ اللّيالي! صقعة والسّما فوقي مضويّة بالنّجوم وسكون تامّ. فجأة، بينفتح باب المزرعة بقوّة وما بشوف إلاّ رجّال ومرتو فايتين مع صاحب المزرعة: "فيكُن تناموا وترتاحوا هون اللّيلة إذا بتحبّوا". وبنصّ اللّيل بوعى عا صوت بكِي مش سامعو من قبل، هيدا طفل زغير عم يولَد! عجَقِت بقلب المزرعة والكلّ فرحان وعتلان همّ الطّفل، وبما إنّو ما في مطرح يدفّوه فيه قرّروا ينيّموا بقلبي...
ما فيّي أوصف شو هالشعور الحلو! صوب الصّبح تقريبًا بيصيروا يوصلوا هالناس ويفوتوا عالمزرعة: رعاة مع خواريفُن وملوك، إيه ملوك جايين من المشرق! شو عم يصير؟ ما كنت عم إفهم! مين هوّي هالطّفل اللّي الكلّ جايين يشوفوه؟ ما لقيت إلاّ هالنّاس عم تركع تحتي! وسمعت كلمة، صدمتني! ما قدرت ما طير من الفرح لمّا سمعتا: "وينو ملك الملوك؟ جينا نِسجِدْلو!" كيف؟! ملك الملوك نايم بقلبي أنا؟! أنا اللّي ما كنت نافع إلاّ لإحمل أكل الحيوانات؟!
فهمت من لحظتها إنّو بهالحياة كلّ شي ممكن والله عندو مشاريع لإلنا أحلى بكتير من يلّي كنّا مصوّرينا لنفسنا. تخيّلوا إنّو أنا كنت إحلم صير شي قطعة أثاث مرتّبة وحلوة بأحد البيوت أو القصور، ولمّا فقدت الأمل من حالي، طلعلي شرف إنّي إحمل بقلبي ملك الملوك، الله بنفسو اللّي إجى بسكون اللّيل على عتمة هالدّني! أنا، إيه أنا حمِلتو!
وإنتَ اللّي عم تسمعني هلّق، ما تستخفّ بهالنّعمة الكبيرة، هوّي نفسو اللّي إجا ونام بقلبي طفل زغيّر كم يوم وراح، وغيّرلي معنى حياتي كلّو بحضورو، هوّي نفسو اليوم بكلّ مرّة عم تتناول فيا القربانة عم يختار قلبك مذود يعيش فيه! شو عم تعمل بالنّعمة؟ إنتَ واعي لإلا؟ عم يتغيّر شي فيك أو متل قلّتها؟
إقرأ المزيد
Reply